أمريكا بدأت تفكيك إيران

أمريكا بدأت تفكيك إيران
مناطق الاستهداف الأمريكي تكشف أن واشنطن تنفذ عمليات محسوبة ودقيقة، بينما تدفع إيران نحو توسيع دائرة المواجهة خارج حدودها
من يتأمل خريطة الضربات الأمريكية الأخيرة على الساحل الإيراني، من قشم وبندر عباس وميناب وسيريك وجاسك وكونارك وصولاً إلى تشابهار، سيلاحظ أن المسألة أكبر من مجموعة أهداف عسكرية متناثرة على الخريطة.
نحن أمام خط عمليات متكامل يمتد من مضيق هرمز شرقاً على طول بحر عُمان.
وهنا تكمن دلالة ربما تكون أهم من عدد الصواريخ والطائرات المستخدمة في الضربات نفسها.
فالولايات المتحدة، في تقديري، لا تخوض هذه المرحلة من الحرب بمنطق «تدمير إيران»، وإنما بمنطق أكثر دقة: تفكيك قدرة إيران على تحويل موقعها الجغرافي إلى سلاح ضد العالم والمنطقة.
وهذا يتوافق إلى حد كبير مع ما ذهبت إليه في قراءاتي السابقة لمسار المواجهة: أن الحرب الأمريكية–الإيرانية لن تكون بالضرورة حرب احتلال بري تقليدية، ولا نسخة جديدة من العراق عام 2003، وإنما حرب استنزاف وتفكيك منهجي لمصادر القوة الإيرانية، طبقة بعد أخرى.
والأحداث الحالية بدأت تقدم مؤشرات واضحة على ذلك.
اختيار الأهداف ليس عشوائياً.
بندر عباس وقشم في قلب منظومة السيطرة الإيرانية على هرمز، وجاسك وميناب وسيريك تقع ضمن الامتداد العملياتي للساحل، بينما تمثل كونارك وتشابهار عمقاً مهماً على بحر عُمان.
والقيادة المركزية الأمريكية أعلنت أن ضرباتها استهدفت تحديداً الدفاعات الجوية والرادارات والأصول البحرية وقدرات زرع الألغام ومراكز الاتصالات التابعة للحرس الثوري. كما أكدت في جولة سابقة استخدام ذخائر دقيقة ضد أنظمة الدفاع الساحلي ومواقع الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية.
هذه ليست، إذاً، خريطة انتقام.
إنها خريطة تعطيل قدرة.
والفارق بين الأمرين جوهري.
فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تريد أن تقول لطهران:
يمكنك امتلاك آلاف الصواريخ والمسيّرات، ولكن إذا فقدت الرادار والاتصالات والدفاع الساحلي ومنصات الإطلاق والقوارب والألغام والقدرة على مراقبة البحر، فإن كثيراً من هذه القوة تتحول تدريجياً إلى مخزون يصعب استخدامه بفاعلية.
وهنا تحديداً تظهر طبيعة الحرب الجديدة.
أمريكا لا تضرب إيران كلها… بل تضرب «الجهاز العصبي» للحرب الإيرانية
لاحظوا التسلسل.
رادارات.
اتصالات.
دفاعات جوية.
قواعد بحرية.
قدرات زرع الألغام.
مواقع صواريخ ومسيّرات.
موانئ ومنشآت ساحلية.
بل إن تقارير سابقة أشارت إلى استهداف طرق وجسور وعقد نقل حول بندر عباس، بما يبدو أنه يهدف إلى عزل منشآت الحرس الثوري الساحلية عن عمق البلاد.
وهذا يعني أننا أمام انتقال من استهداف السلاح إلى استهداف المنظومة التي تجعل السلاح قابلاً للاستخدام.
وفي الحروب الحديثة، هذه نقطة شديدة الأهمية.
ليس المطلوب دائماً تدمير الصاروخ نفسه؛ أحياناً يكفي أن تحرم صاحبه من القدرة على اكتشاف الهدف، وتحديد موقعه، وإصدار الأمر، ونقل البيانات، وحماية منصة الإطلاق، ثم إعادة الانتشار.
عندها تبدأ المنظومة العسكرية بالتفكك حتى لو بقي جزء كبير من ترسانتها سليماً.
لماذا الساحل الإيراني الآن؟
لأن مركز الصراع انتقل بصورة متزايدة إلى مضيق هرمز.
هذا المضيق ليس مجرد ممر بحري.
إنه أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي.
وإيران بنت جزءاً مهماً من عقيدتها الردعية طوال عقود على فكرة بسيطة:
إذا مُنع النفط الإيراني من الوصول إلى العالم، تستطيع طهران تهديد النفط الذي يخرج من الخليج كله.
لكن هذه المعادلة تحمل في داخلها خطراً استراتيجياً هائلاً على إيران نفسها.
لأن اللحظة التي تستخدم فيها طهران هرمز كسلاح، تمنح خصومها مبرراً استراتيجياً لضرب الأدوات العسكرية التي تسمح لها بالسيطرة عليه.
وهذا ما نراه الآن.
حركة السفن عبر المضيق انخفضت بصورة حادة، فيما تؤكد التقارير أن هرمز كان يحمل قبل الحرب قرابة خُمس شحنات النفط العالمية.
الأخطر على إيران أن الحصار البحري الأمريكي أدى بالفعل إلى انهيار صادرات الخام الإيرانية من نحو مليوني برميل يومياً في مارس إلى قرابة 220–255 ألف برميل يومياً في أغسطس وفق بيانات نقلتها رويترز.
وهذا يقودني إلى ما أراه جوهر المرحلة المقبلة:
المعركة القادمة ليست فقط على هرمز… بل على قدرة الدولة الإيرانية على تمويل استمرار الحرب.
الفرق بين الاستراتيجية الأمريكية والإيرانية
هنا يجب التوقف أمام مشهد بالغ الدلالة.
الضربات الأمريكية الأخيرة تركز بصورة أساسية على مواقع عسكرية مرتبطة مباشرة بالقدرة الإيرانية على تهديد الملاحة والقوات الأمريكية: دفاع جوي، رادارات، اتصالات، ألغام، أصول بحرية ومنظومات تابعة للحرس الثوري.
وهذا لا يعني أن العمليات الأمريكية بلا أخطاء أو خسائر مدنية؛ فقد أفادت تقارير موثوقة بمقتل مدنيين في ضربة قرب سيريك، وهو تذكير بأن وصف العملية بأنها «دقيقة» من حيث اختيار منظومة الأهداف لا يعني أن كل ضربة أصابت هدفها بلا أضرار جانبية.
لكن في المقابل، الرد الإيراني اتجه إلى توسيع جغرافية الصراع عبر الصواريخ والمسيّرات باتجاه مواقع في الأردن والبحرين والعراق، مع اعتراض عدد منها وفق المصادر الأمريكية والإقليمية.
وهنا الخطأ الإيراني الكبير.
لأن إيران عندما توسع دائرة الاستهداف لا تستنزف الولايات المتحدة بالضرورة، بل قد تدفع دول المنطقة التي كانت تريد البقاء خارج الحرب إلى النظر إلى إيران باعتبارها مصدر التهديد المباشر لأمنها الوطني.
وهذا بالضبط ما ينبغي لطهران أن تخشاه.
السيناريو الذي أراه يتشكل أمامنا
إذا استمر المسار الحالي، فأنا لا أتوقع أن تكون الأولوية الأمريكية غداً اجتياح طهران.
الأرجح أننا سندخل مرحلة أعمق من الحرب الطبقية.
الطبقة الأولى هي تعطيل قدرة إيران على تهديد الملاحة.
ثم تأتي طبقة الدفاعات والرادارات والاتصالات.
ثم الصواريخ والمسيّرات ومنظومات القيادة والسيطرة.
ثم البنية اللوجستية التي تعيد تسليح هذه المنظومات وتحريكها.
وبالتوازي، يجري الضغط على الشريان الاقتصادي الذي يمول الدولة والحرس الثوري.
وهنا يصبح السؤال الخطير:
ماذا يحدث عندما تفقد إيران تدريجياً قدرتها على تصدير النفط، بينما تستمر في الإنفاق على حرب طويلة؟
الإجابة ليست عسكرية فقط.
إنها نقدية واقتصادية واجتماعية.
الدولة التي تنخفض إيراداتها الخارجية بينما تتضاعف نفقاتها العسكرية ستجد نفسها أمام خيارات قاسية: استنزاف الاحتياطيات، خفض الإنفاق، زيادة الضرائب، أو تمويل العجز نقدياً.
وهذا يعني تضخماً أكبر، تراجعاً في العملة، وتآكلاً في القدرة الشرائية.
وبذلك تتحول الحرب الخارجية تدريجياً إلى ضغط داخلي على الدولة الإيرانية نفسها.
وهنا تبدأ أخطر مرحلة
لطالما قلت إن نقطة التحول الحقيقية لن تكون بالضرورة سقوط قنبلة ضخمة على طهران.
قد تكون عندما يكتشف المواطن الإيراني أن النظام يستطيع إطلاق الصواريخ خارج الحدود، لكنه أصبح عاجزاً عن حماية قيمة راتبه ومدخراته ومستوى معيشته واستقرار اقتصاده.
وهنا تنتقل المعركة من السماء والبحر إلى الداخل.
ولهذا أرى أن الاستراتيجية الأمريكية، إذا استمرت بالمسار الحالي، قد تقوم على معادلة:
لا تحتل إيران… اجعل تكلفة استمرار مشروعها العسكري أكبر من قدرة الدولة الإيرانية على تحمّلها.
وهذه استراتيجية مختلفة تماماً عن العراق وأفغانستان.
لكن إيران ما زالت تملك ورقة خطيرة
سيكون خطأً كبيراً الاعتقاد أن إيران أصبحت بلا خيارات.
كلما تراجعت قدرتها التقليدية، قد تميل أكثر إلى الحرب غير المتكافئة:
المسيّرات الرخيصة، الهجمات السيبرانية، الوكلاء، التخريب البحري، ضرب البنية الاقتصادية، ومحاولة جعل تكلفة الحرب موزعة على المنطقة والعالم.
وهنا تصبح دول الخليج أمام تحدٍ بالغ الحساسية.
فالصراع لم يعد بعيداً خلف جبال زاغروس.
إنه يدور على الضفة المقابلة مباشرة من الخليج وبحر عُمان.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون، في تقديري، حرب البنية التحتية والاقتصاد والممرات البحرية أكثر مما ستكون حرب الجيوش التقليدية.
الهدف الأكبر: إسقاط «نظرية الردع الإيرانية»
منذ عقود بنت إيران استراتيجيتها على معادلة:
إذا تعرضنا للخطر، سنجعل المنطقة كلها تدفع الثمن.
لكن الولايات المتحدة تحاول الآن قلب المعادلة إلى:
كلما وسّعت إيران الحرب، ستفقد جزءاً إضافياً من قدرتها العسكرية والاقتصادية على خوضها.
إذا نجحت واشنطن في تثبيت هذه المعادلة، فسنكون أمام تحول استراتيجي تاريخي.
لأن إيران لن تخسر مجرد قواعد أو رادارات.
بل ستخسر شيئاً أكبر:
قدرة التهديد نفسها باعتبارها أداة سياسية.
وماذا بعد؟
قراءتي أن المرحلة الحالية ليست نهاية الحرب.
إنها على الأرجح إعادة تشكيل لساحة الحرب.
والمؤشر الذي سأراقبه ليس عدد الصواريخ التي تُطلق يومياً، وإنما نوع الأهداف الأمريكية التالية.
إذا انتقلت الضربات بصورة أوسع من القدرات الساحلية إلى شبكات القيادة والسيطرة، ثم البنية اللوجستية والصناعات العسكرية ومفاصل الاقتصاد المرتبطة بتمويل الحرس الثوري، فسيعني ذلك أن واشنطن انتقلت من استراتيجية حماية هرمز إلى استراتيجية تفكيك القدرة الإيرانية على مواصلة الحرب.
وعندها سندخل المرحلة الأخطر.
ليس السؤال حينها:
من يستطيع إطلاق صواريخ أكثر؟
بل:
من يستطيع تحمّل الحرب مدة أطول؟
وفي هذا النوع من الحروب، لا تُحسم النتيجة بعدد الصواريخ وحده.
بل بالاقتصاد، والممرات البحرية، والقدرة الصناعية، والتكنولوجيا، والاستخبارات، والقدرة على تعويض الخسائر، ثم — قبل كل شيء — الزمن.
ولهذا أعود إلى الخريطة المرفقة.
قشم.
بندر عباس.
ميناب.
سيريك.
جاسك.
كونارك.
تشابهار.
إنها ليست مجرد نقاط حمراء على الساحل الإيراني.
إنها، في تقديري، ترسم لنا اتجاه الحرب القادمة.
واشنطن تحاول أن تقطع أصابع إيران التي تمسك بمضيق هرمز، قبل أن تنتقل — إذا استمرت المواجهة — إلى الذراع التي تحركها.
أما إيران، فكلما ردت بتوسيع دائرة النار خارج حدودها، فإنها تخاطر بتقديم المبرر السياسي والعسكري للانتقال إلى المرحلة التالية.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تعتقد طهران أن توسيع الحرب يرفع تكلفة المواجهة على خصومها…
بينما يكون ذلك تحديداً هو ما يسرّع تفكيك عناصر قوتها، واحدة بعد أخرى.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
