قصف غرة سبتمبر على النظام الإيراني .

قصف غرة سبتمبر على النظام الإيراني .
رؤية تحليلية للكاتب من خلال المصادر الإعلامية المفتوحة .
الأربعاء الموافق ( 2 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ قد تكشف الأهداف التي يتجنبها الخصم عن حساباته بقدر ما تكشفها الأهداف التي يختار ضربها . }
تدل مجمل التطورات الأخيرة على أن الحرب بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني تدخل مرحلة لا تكفي قراءة نتائجها من خلال حجم الغارات والردود وحدها. فالأهم هذه المرة ليس فقط ما ضربته الولايات المتحدة داخل إيران ولا عدد الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقها النظام الإيراني في المقابل بل اتجاه تلك الأسلحة والأهداف التي اختارها كل طرف والأهداف التي بقيت حتى الآن خارج دائرة الرد المباشر .
فالولايات المتحدة استهدفت في ضرباتها الأخيرة مواقع للدفاع الجوي وأنظمة الرادار وأصولا ومنشآت بحرية وقدرات لزرع الألغام ومواقع اتصالات تابعة للحرس الثوري. وتزداد دلالة اتساع العملية مع ما نقلته وسائل إعلام عن مسؤولين أمريكيين بأن نحو ( 100 ) هدف إيراني تعرض للهجوم خلال ضربات يوم الثلاثاء؛ وهو رقم إن تأكد رسميا يعكس اتساع نطاق الأهداف وتنوعها أكثر مما يعكس مجرد زيادة عدد الضربات . وهذه ليست أهدافا متفرقة بقدر ما تمثل أجزاء من منظومة تساعد النظام الإيراني على العمل على امتداد ساحله ومراقبة مضيق هرمز وتهديد الملاحة فيه .
لكن ما يستحق التوقف عنده أن الحرس الثوري لم يظهر حتى كتابة هذا التحليل أنه اختار مواجهة بحرية مباشرة مؤكدة مع القطع البحرية الأمريكية الموجودة في مسرح العمليات والقريبة من مناطق التوتر في الخليج العربي وبحر العرب بينما امتدت الصواريخ والطائرات المسيرة وآثار المواجهة إلى دول عربية مجاورة غير معنية أصلا بالحرب الدائرة بين الجانبين .
وهنا يبرز سؤال عسكري واستراتيجي مهم؛ لماذا يتجنب الحرس الثوري حتى الآن مواجهة الوحدات البحرية الأمريكية مباشرة بينما يحاول توظيف الجغرافيا المحيطة به وتوسيع آثار الحرب نحو الملاحة ودول عربية مجاورة ليست طرفا فيها؟ .
الإجابة قد تكون في ميزان القوة نفسه. فالمواجهة المباشرة بين وحدات بحرية إيرانية وقطع أمريكية حديثة تعني الدخول في بيئة قتالية تتمتع فيها الولايات المتحدة بتفوق كبير في الاستطلاع والإنذار والقيادة والسيطرة والدفاع الجوي والقوة النارية. ولذلك يبدو أن النظام الإيراني يحاول تعويض جانب من اختلال ميزان القوة باستخدام ما تمنحه له الجغرافيا من خيارات أقل مباشرة وأكثر اتساعا .
ومن هنا يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري. فالجزر والساحل وضيق الممر والصواريخ والطائرات المسيرة والألغام والقوارب والمنظومات الساحلية تمنح الحرس الثوري وسائل مختلفة لتهديد الملاحة ورفع كلفة المرور دون الاضطرار في كل مرة إلى الدخول في مواجهة بحرية تقليدية مع الأسطول الأمريكي .
وتوضح الخريطة الأولى هذه المعادلة بصورة مباشرة؛ فمسارات الملاحة حول جزيرة لارك تكشف كيف يمكن للموقع الجغرافي الضيق والجزر القريبة من الممر أن تتحول من مجرد تضاريس بحرية إلى عنصر في إدارة الضغط على السفن العابرة. ولذلك فإن أهمية لارك لا تأتي من مساحتها بل من موقعها بالنسبة إلى حركة الملاحة في مضيق هرمز والخليج العربي .
الخريطة الأولى ؛ خارطة مسارات الملاحة عبر مضيق هرمز / الخليج العربي، وتظهر موقع جزيرة لارك ومسارات حركة الملاحة قبل الحرب والمسارين الإيراني والعماني .
المصدر ؛ بيانات MarineTraffic لحركة الملاحة بتاريخ ( 20 ) أغسطس ( 2026 )م / الجزيرة – AJ Labs .
وتفسر هذه المعادلة جانبا مهما من طبيعة الأهداف الأمريكية الأخيرة. فالولايات المتحدة لم تركز على الأصول البحرية الإيرانية وحدها بل استهدفت الرادارات والاتصالات والدفاع الجوي وقدرات زرع الألغام. وإذا استمر هذا النمط فإن واشنطن قد تكون انتقلت تدريجيا من حماية السفن التي تعبر هرمز إلى محاولة إضعاف المنظومة التي تسمح للنظام الإيراني بتهديد المضيق من البر والبحر والجزر المحيطة به .
وفي المقابل يحاول النظام الإيراني توسيع مساحة الضغط خارج المواجهة البحرية المباشرة. فامتداد الصواريخ والمسيّرات وآثار العمليات إلى دول عربية مجاورة غير معنية بالحرب يكشف خطورة تحويل الجغرافيا الإقليمية إلى مساحة لتمرير رسائل عسكرية لا تتحمل تلك الدول مسؤولية أسبابها أو استمرارها .
والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي ليست طرفا تابعا في الحرب بكل أشكالها السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية بين واشنطن وطهران بل دول لها مصالحها وسياساتها وقراراتها الوطنية المستقلة. كما أن اختلاف الحسابات السياسية أو العلاقات الدولية لا يمنح النظام الإيراني حق تهديد أمن دول المنطقة أو أجوائها أو مصالحها أو ممرات الطاقة والتجارة فيها .
لكن قراءة الجغرافيا لا تكتمل عند هرمز. ففي الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية يقع باب المندب وجنوب البحر الأحمر؛ وهما مسرح بحري بالغ الحساسية شهد خلال السنوات الماضية هجمات وتهديدات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة ضد السفن والملاحة والمصالح السعودية. وهكذا يظهر ممر بحري آخر تزداد حساسيته كلما ارتفع الضغط على الملاحة في هرمز .
والتزامن بين الجبهتين لا يكفي وحده للجزم بأن كل تحرك حوثي أخير صدر بأمر عملياتي مباشر من طهران. لكن العلاقة المعروفة بين النظام الإيراني والحوثيين الإرهابيين تجعل قدرات الجماعة وتحركاتها جزءا من البيئة الاستراتيجية الأوسع؛ خصوصا عندما تصبح الملاحة تحت الضغط في هرمز شرقا وفي محيط باب المندب وجنوب البحر الأحمر غربا .
وهنا تحديدا تظهر أهمية التحالفات الدفاعية الحديثة التي شاركت المملكة في بنائها. فاتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اكتسب بعد اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية الدفاعية في إسطنبول بتاريخ ( 31 ) أغسطس بعدا تنفيذيا أكثر وضوحا من خلال تعزيز مصداقية الردع والدفاع الجماعي وتماسك القوات والتعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات والإنتاج المشترك .
وتزداد أهمية الاتفاق في الظروف الراهنة لأنه يقوم على قاعدة واضحة؛ أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما على الجميع. وهذه القاعدة لا تعني البحث عن الحرب بل رفع كلفة التفكير فيها. ففي بيئة تتسع فيها الصواريخ والطائرات المسيرة وتنتقل آثار المواجهة إلى دول المنطقة يصبح الردع الجماعي عاملا إضافيا في حسابات أي طرف يفكر في توسيع دائرة اعتداءاته .
وعلى الجبهة البحرية الأخرى يظهر التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة المملكة بوصفه تطورا يرتبط مباشرة بأمن باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. فحماية الملاحة وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة ومواجهة التهديدات البحرية تمثل جوهر مهمته بينما يمنح بناء القيادة المشتركة ومراكز العمليات والتنسيق والاستخبارات الدول المشاركة قدرة أكبر على التعامل مع التهديد البحري باعتباره مسؤولية جماعية لا عبئا تتحمله دولة منفردة .
وبذلك تظهر معادلة مقابلة لمحاولة استخدام الجغرافيا أداة للضغط. ففي الوقت الذي يحاول فيه النظام الإيراني استثمار موقعه حول هرمز ويتحرك الحوثيون الإرهابيون في الجبهة الأخرى قرب باب المندب وجنوب البحر الأحمر تتشكل في المنطقة أطر دفاع جماعي وبحري متعددة الجنسيات تعزز الردع وترفع مستوى التنسيق وتوسع القدرة على حماية الممرات والمصالح الحيوية .
وتكمل الصورة الثانية قراءة الجغرافيا من زاوية مختلفة. فإذا كانت لارك ترتبط بموقع يسمح بالتأثير في حركة الملاحة فإن خرج تمثل بعدا اقتصاديا أكثر حساسية؛ فالمسافة بين الجزيرتين في حسابات الحرب هي في حقيقتها مسافة بين القدرة على تهديد الطريق والقدرة على استمرار تدفق المورد الذي يحتاج إليه النظام الإيراني لتمويل اقتصاده وحربه. ولهذا فإن قراءة الخريطة والصورة معا توضح أن الصراع حول الخليج العربي لم يعد منفصلا بين البحر والاقتصاد بل أصبح كل منهما يؤثر في الآخر .
الصورة الثانية ؛ صورة جوية لجزيرة خرج المقابلة للساحل الإيراني / شمال الخليج العربي، وتظهر منشآتها النفطية وموقعها في الجغرافيا البحرية المرتبطة بقدرة النظام الإيراني على استمرار صادراته وموارده المالية .
المصدر ؛ أوربيتال هورايزون / غالو إيميجز – غيتي إيميجز .
ولا يعني ذلك أن اتفاق مكة أو التحالف البحري أنشئا لخوض الحرب الحالية أو أنهما موجهان ضد دولة بعينها. فكلاهما يقوم في أساسه على الردع والدفاع والاستقرار وحماية المصالح والملاحة. لكن التطورات الراهنة تكشف قيمة وجود مثل هذه الأطر؛ لأن الردع لا يبدأ بعد وقوع الاعتداء بل عندما يدرك من يفكر فيه مسبقا أن توسيع مساحة التهديد قد يوسع في المقابل دائرة القوى والقدرات التي ستواجهه .
الخلاصة الاستراتيجية .
تكشف التطورات الأخيرة أن المعركة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ والغارات وحدها بل بقدرة كل طرف على استخدام الجغرافيا أو تحييدها. فالولايات المتحدة تستهدف قدرات الحرس الثوري المرتبطة بهرمز بينما يتجنب النظام الإيراني حتى الآن مواجهة بحرية مباشرة مؤكدة مع القطع الأمريكية ويوسع الضغط على الملاحة وتمتد آثار المواجهة إلى دول عربية مجاورة غير معنية بالحرب فيما يتحرك الحوثيون الإرهابيون في الجبهة الأخرى قرب باب المندب وجنوب البحر الأحمر .
وفي المقابل لم تعد الجغرافيا مساحة متاحة لطرف واحد؛ فاتفاق مكة يضيف بعدا جديدا للردع الجماعي والتحالف البحري متعدد الجنسيات يضيف عمقا لحماية الممرات البحرية. وهكذا يقابل اتساع جغرافية التهديد اتساع في جغرافية الردع والتعاون الدفاعي .
{ وعندما يصبح هرمز في الشرق وباب المندب في الغرب جزءا من معادلة الضغط فإن الجغرافيا تتحول إلى إحدى أدوات الحرب؛ لكن بناء الردع الجماعي قد يجعل الجغرافيا نفسها جزءا من كلفة استخدامها . }


