من بقي لطهران؟

من بقي لطهران؟
رؤية تحليلية
الأربعاء الموافق ( 26 ) أغسطس 2026م
كتبه اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.
{ أشد أنواع العزلة أن يبقى حول النظام الإيراني قليلون ثم يوقن كل منهم أن البقاء معه أثقل كلفة من الرحيل عنه. }
لم تعد المسألة الاقتصادية بالنسبة للنظام الإيراني مرتبطة بحجم العقوبات الأمريكية وحدها بل بمن بقي مستعدا للتجارة معه وتحمل الأعباء السياسية والمالية والقانونية المترتبة على ذلك. فالحملة الأمريكية الجديدة التي أعلنتها واشنطن في ( 24 ) أغسطس نقلت الضغط خطوة أخرى إلى الخارج بعدما أصبح التهديد بالعقوبات الثانوية موجها إلى الدول والشركات والمؤسسات المالية التي تستمر في التعامل مع طهران. وشملت الدفعة الأولى قرابة ( 60 ) فردا وكيانا وسفينة وامتدت إلى قطاعات الشحن والطيران والتقنية والذهب والأصول الرقمية وشبكات تسويق النفط والبتروكيماويات.
وهنا يتغير السؤال: من بقي لطهران؟
1. الإمارات.. عندما يضيق الممر.
مثلت الإمارات لسنوات أحد أهم منافذ إيران التجارية والمالية ومراكز إعادة التصدير إليها. ولذلك فإن القيود الأخيرة على التعاملات الاقتصادية والمالية مع إيران لا تقاس فقط بقيمة التجارة المباشرة بين البلدين بل بالدور الذي كانت تؤديه دبي خصوصا في حركة السلع والمدفوعات وإعادة التصدير.
وقد بدأت آثار هذا التحول تتجاوز العلاقة الثنائية نفسها. فجزء من تجارة دول أخرى مع إيران كان يعتمد على الإمارات بوصفها محطة وسيطة للسلع والخدمات والتسويات التجارية. وهذا يعني أن تضييق منفذ واحد قد يؤثر في سلسلة تجارية تمتد إلى دول أخرى وليس إلى إيران وحدها.
2*. الصين.. الرئة التي لم تغلق بعد.
تبقى الصين الشريك الأكثر أهمية لطهران لأنها تجمع بين التجارة والطاقة والقدرة على توفير سوق ضخمة خارج المنظومة الغربية. ولذلك فإن نجاح أو فشل الحملة الاقتصادية الأمريكية سيتحدد بدرجة كبيرة في بكين.
لكن واشنطن لم تذهب حتى الآن إلى الخطوة الأكثر حساسية وهي استهداف المؤسسات المالية الصينية الكبرى المرتبطة بالتجارة مع إيران. وهذا التريث ليس بلا معنى لأن الضغط على اقتصاد بحجم الاقتصاد الصيني يختلف جذريا عن الضغط على دول أصغر وأكثر اعتمادا على النظام المالي الأمريكي.
وفي المقابل فإن رفض بكين للعقوبات الأحادية لا يعني أن جميع الشركات والمصارف الصينية بمنأى عن حسابات المخاطر. فالمؤسسة التي ترتبط بالدولار أو الأسواق الغربية أو شبكات التمويل والتأمين الدولية ستظل توازن بين ما تحققه من السوق الإيرانية وما قد تخسره في أسواق أكبر.
ومن هنا تصبح الصين الاختبار الحقيقي: هل تستطيع واشنطن جعل التعامل مع إيران أقل جاذبية بالنسبة إلى الشركات والمصارف الصينية؟ أم تستطيع بكين إبقاء نافذة اقتصادية تسمح لطهران بالتنفس رغم العقوبات؟
3*. العراق.. الاختبار الأقرب.
يمثل العراق حالة مختلفة بسبب عمق ارتباطه التجاري والطاقة والجغرافي بإيران وفي الوقت نفسه ارتباط نظامه المالي بالدولار والنظام المالي الأمريكي.
وتجاوز حجم التجارة العراقية الإيرانية خلال عام ( 2025 ) عشرة مليارات دولار بينما تصاعد الضغط الأمريكي على بعض المؤسسات المالية العراقية المرتبطة بالتحويلات والمعاملات مع إيران. ولهذا أصبح العراق نموذجا واضحا لما يمكن أن يحدث عندما تنتقل العقوبات من استهداف طهران إلى رفع الأعباء على شركائها التجاريين.
غير أن العراق ليس مجرد رقم في الميزان التجاري الإيراني فهو جار بحدود طويلة وسوق طبيعي وممر بري مهم. ولذلك فإن تضييق هذه النافذة أكثر تعقيدا من إصدار قرار مالي منفرد.
4*. تركيا.. الممر البديل تحت الاختبار.
تحتفظ تركيا بعلاقات تجارية مهمة مع إيران ولم تعلن حتى الآن وقفا شاملا للتجارة معها. وتمنحها الجغرافيا موقعا يجعلها منفذا بريا طبيعيا للأسواق الإيرانية كما أن تضييق بعض المسارات الأخرى قد يزيد أهمية الطريق التركي.
لكن هذه الأهمية نفسها قد تضع أنقرة أمام معادلة أكثر تعقيدا إذا اتسعت العقوبات الثانوية الأمريكية وأصبحت الشركات والمصارف وشركات النقل والتأمين مطالبة بالمفاضلة بين السوق الإيرانية والوصول إلى النظام المالي والأسواق الغربية.
وهنا قد لا يكون السؤال هل توقف تركيا تجارتها مع إيران أم لا بل إلى أي مستوى تستطيع المحافظة عليها إذا ارتفعت الأعباء المالية والقانونية المرتبطة بها.
5*. البدائل الأصغر.. هل تكفي؟
تبقى أمام طهران علاقات مع باكستان وعمان وروسيا وأفغانستان والهند وبعض دول آسيا الوسطى والقوقاز. لكن وجود هذه الدول على الخريطة لا يعني قدرتها على تعويض خسارة منافذ أكبر.
فالمشكلة ليست في العثور على دولة تشتري سلعة إيرانية أو تبيع أخرى إليها وإنما في وجود منظومة متكاملة توفر السوق والتمويل والنقل والتأمين والتحويلات والعملات الصعبة في وقت واحد.
وتحاول طهران توسيع استخدام العملات الوطنية وفتح قنوات مالية وتجارية أقل اعتمادا على الدولار. وقد تمنح هذه المسارات النظام قدرة إضافية على المناورة لكنها لا تلغي حقيقة أن جزءا كبيرا من التجارة الدولية والتمويل والتأمين ما زال مرتبطا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمنظومة مالية تستطيع واشنطن التأثير فيها.
6*. الحصار ينتقل إلى الحلقة الخارجية.
الجديد في الحرب المالية ليس إضافة أسماء جديدة إلى قوائم العقوبات فحسب بل محاولة تغيير حسابات الطرف الثالث.
فالضغط يتجه من محاولة منع طهران من البيع والشراء إلى جعل الآخرين أكثر ترددا في البيع لها والشراء منها. وهنا تتحول العقوبات من أداة تضغط على الاقتصاد الإيراني إلى أداة تحاول إعادة تشكيل شبكة علاقاته التجارية نفسها.
لكن الطريق إلى حصار اقتصادي شبه كامل ما زال بعيدا. فالصين ليست العراق وتركيا ليست الإمارات وروسيا لديها حساباتها الخاصة كما ترتبط باكستان وعمان بإيران باعتبارات جغرافية وسياسية وأمنية لا تحكمها التجارة وحدها.
ولهذا فإن عدد الدول التي بقيت تتعامل مع طهران ليس المقياس الأهم. المقياس الحقيقي هو وزن هذه الدول وقدرتها على توفير ما يفقده الاقتصاد الإيراني من أسواق وتمويل وممرات.
الخلاصة الاستراتيجية.
دخلت الحرب المالية على النظام الإيراني مرحلة مختلفة. فالضغط الذي كان يستهدف الاقتصاد الإيراني من الداخل بدأ يتحرك نحو البيئة التجارية والمالية المحيطة به.
الإمارات أغلقت مساحة مهمة من الحركة التجارية والمالية والعراق يتعرض لضغط متزايد وتركيا أصبحت ممرا بديلا يخضع للحسابات الجديدة أما الصين فتبقى العقدة الكبرى التي لم تحسم بعد.
وتدل مجمل المؤشرات الحالية على أن طهران لم تصل إلى العزلة الاقتصادية الكاملة ولا تزال أمامها منافذ تستطيع استخدامها بدرجات متفاوتة. لكن مساحة الحركة أصبحت أضيق وكلفة الالتفاف أعلى والمخاطر التي يتحملها الشريك التجاري أكبر.
وعند هذه النقطة يصبح الزمن نفسه جزءا من المعركة الاقتصادية لأن السؤال لم يعد فقط عن قدرة النظام الإيراني على تحمل العقوبات بل عن المدة التي سيظل خلالها شركاؤه مستعدين إلى تحمل تبعات التعامل معه.
وهنا تحديدا قد تبدأ الحلقة الأشد تأثيرا في الحصار:
عندما يصبح الاحتفاظ بطهران شريكا اقتصاديا أكثر كلفة من التخلي عنها .

