إحذروا النظام الإيراني

إحذروا النظام الإيراني
رؤية تحليلية
الإثنين الموافق ( 24 ) أغسطس 2026م
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية.
الحذر من النظام الإيراني اليوم هو وعي الواثق بالله ثم بقدراته وليس دعوة إلى الحرب معه ولا موقفا من الشعب الإيراني الشقيق والنبيل الذي تحمل كثيرا من نتائج سياسات نظامه بل هو قراءة واعية لسلوك نظام مقيت يواجه ضغطا عسكريا واقتصاديا متزايدا ويعلن بنفسه أن دائرة المواجهة قد تتسع لتشمل من يساعد الولايات المتحدة في حربها الاقتصادية عليه. والدول الواثقة من قدراتها تقرأ المؤشرات مبكرا وتبني تقديراتها على الوقائع وتدير مصالحها من موقع القوة والثقة والجاهزية .
بعد قرابة ستة أشهر من الحرب لم تصل المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى تسوية نهائية ولم تعد في الوقت نفسه إلى العمليات العسكرية الواسعة . لكن الصراع انتقل إلى مرحلة جديدة تتقدم فيها الأدوات الاقتصادية والمالية والبحرية مع بقاء القوة العسكرية حاضرة في الخلفية. فالولايات المتحدة تتجه إلى توسيع العقوبات على النفط والتمويل والشحن والوسطاء وشبكات الالتفاف على العقوبات بينما تعمل طهران على مقاومة هذه الضغوط ورفع كلفتها على خصومها .
وعندما يعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني/ محسن رضائي أن أي دولة تشارك في فرض القيود الاقتصادية على إيران تعد عدوا ويحذر دول الجوار من التعاون مع الولايات المتحدة ثم يربط ذلك بخروج النفط من الخليج ومضيق هرمز فإن الرسالة تستحق القراءة الدقيقة . وهي لا تعني أن قرارا عسكريا إيرانيا قد أتخذ لكنها تكشف اتجاها في التفكير السياسي والأمني يقوم على توسيع دائرة المواجهة وربط الاقتصاد بالأمن والطاقة والملاحة.
ويتزامن ذلك مع تصريحات لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية تحدث فيها عن ردود عسكرية ساحقة وعقابية ومدمرة ومع إظهار منشأة تحت الأرض لإنتاج الصواريخ الباليستية والتأكيد على إستمرار تطوير القدرات الصاروخية . واجتماع الخطاب السياسي مع استعراض القدرة العسكرية يضيف مؤشرا آخر إلى مشهد تتداخل فيه الرسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة . فقد تراجعت حركة الملاحة فيه بصورة كبيرة مقارنة بمستوياتها قبل الحرب وأصبحت ناقلات النفط والطاقة جزءا مباشرا من المواجهة الأمريكية الإيرانية . والأكثر دلالة أن طهران سمحت لناقلات عراقية بالعبور بعد اتصالات من بغداد بينما بقيت حركة سفن أخرى مقيدة أو معرضة للتعطيل.
وهنا يظهر تحول يتجاوز مسألة إغلاق المضيق أو فتحه. فمحاولة جعل المرور انتقائيا تعني استخدام الممر الدولي أداة للمكافأة والضغط السياسي والاقتصادي. ومضيق هرمز ليس بوابة وطنية إيرانية تمنح طهران من خلالها حق المرور لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء بل ممر دولي ( طبيعي ) وحيوي ترتبط حرية الملاحة فيه بأمن الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي.
أما العراق فقد أصبح في هذه المرحلة ساحة مهمة في حسابات المنطقة. فزيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني/ محمد باقر قاليباف إلى بغداد حملت ملفات الاقتصاد والنفط والحدود والأمن والعقوبات بالتزامن مع النقاش العراقي حول حصر السلاح بيد الدولة. كما برزت الدعوة الإيرانية إلى توسيع التعامل بالعملتين الوطنيتين وتقليل الاعتماد على الدولار في سياق البحث عن مسارات تقلل من تأثير الضغط الاقتصادي الأمريكي.
ولا يعني ذلك أن العراق سيتحول إلى جبهة ضد جيرانه ولا توجد مؤشرات علنية كافية تسمح بالجزم بذلك. فالعراق دولة عربية شقيقة تربطها بالمملكة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي مصالح وروابط واسعة واستقراره وسيادته وقوة مؤسسات دولته تمثل عناصر مهمة في استقرار المنطقة. لكن وجود جماعات إرهابية مسلحة مرتبطة بالنظام الإيراني يبقى عاملا مؤثرا في قراءة المشهد الأمني والاستراتيجي ولا سيما مع استمرار الجدل حول حصر السلاح بيد الدولة.
والقدرة الإيرانية لا تقاس بالدبابات والطائرات وحدها. فقد بنى النظام الإيراني خلال عقود أدوات متعددة للعمل بين السلم والحرب تشمل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والعمليات البحرية والحرب السيبرانية والشبكات المالية والجماعات الإرهابية المسلحة المرتبطة به. وهذه الأدوات – وفق حساباته الطائشة – قد تمنحه خيارات متعددة لرفع كلفة المواجهة والعمل خارج حدود إيران دون الحاجة دائما إلى الدخول في حرب تقليدية شاملة .
وفي المقابل تكشف موازين القوة أن قدرات النظام الإيراني ليست مطلقة. فهو يواجه ضغوطا اقتصادية وعسكرية كبيرة وتتعرض موارده وشبكات تمويله وصادراته النفطية لضغط أمريكي متصاعد بينما تتجه واشنطن إلى توسيع دائرة العقوبات لتشمل المؤسسات والجهات التي توفر له منافذ اقتصادية. وتبقى الصين أحد أهم المتغيرات في هذه المعادلة بحكم موقعها الكبير في تجارة النفط الإيراني وقدرتها على التأثير في فاعلية الضغوط الأمريكية.
والضغط على النظام الإيراني يفتح أمامه أكثر من إتجاه . فقد يختار التفاوض وقد يوسع طرق الالتفاف على العقوبات وقد يحاول نقل جزء من كلفة المواجهة إلى خارج حدوده. وهذه الاحتمالات لا تبنى على النيات وإنما تقرأ من خلال القدرات والمؤشرات والوقائع المتغيرة.
ومن هنا فإن قراءة الموقف بالنسبة للمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون تنطلق من واقع القوة واليقظة والجاهزية. فالمملكة دولة تعرف قدراتها وتثق بقواتها المسلحة وتدرك وزنها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي. وقد جمعت سياستها بين الدبلوماسية الهادئة وخفض التصعيد وبناء الاستقرار وبين حماية أراضيها ومواطنيها ومصالحها ومرافقها الحيوية والاحتفاظ بقدرات دفاعية تواكب طبيعة التهديدات المتغيرة.
وهذه المعادلة تمنح السياسة السعودية ثقلا خاصا. فالدبلوماسية الهادئة عندما تستند إلى قوة وطنية راسخة تصبح أداة تأثير وضبط النفس عندما يصدر عن دولة واثقة وقادرة يصبح تعبيرا عن الحكمة والمسؤولية . وقد أثبتت المملكة في محطات متعددة أنها تجمع بين العمل السياسي المسؤول والجاهزية الدفاعية وأن أمنها الوطني ومصالحها العليا يمثلان ثوابت راسخة في سياستها .
كما أن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي ليست طرفا تابعا في المواجهة بين واشنطن وطهران بأشكالها السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية . فمصالحها الوطنية وأمنها وسياساتها المستقلة السيادية هي التي تحدد مواقفها .
وفي المقابل لا يمنح اختلاف الحسابات السياسية النظام الإيراني حق تهديد دول المنطقة أو مصالحها أو محاولة فرض خياراته عليها بسبب علاقاتها الدولية وقراراتها السيادية
وأظهرت الحرب الحديثة أن حجم السلاح لا يساوي بالضرورة حجم أثره. فالمسيرة الصغيرة قد تستطيع إحداث أثر محدود والصاروخ قد يؤثر في تكاليف التأمين والشحن والطاقة والهجوم السيبراني قد يستطيع الوصول إلى منظومات حيوية محدودة أيضا دون عبور الحدود . ولذلك أصبحت حماية الاقتصاد مرتبطة بالدفاع الوطني وأصبح الأمن السيبراني جزءا من الأمن الشامل وأصبحت المعلومة المبكرة عنصرا أساسيا في قراءة التهديد واتخاذ القرار .
وتكتسب التطورات الحالية أهميتها من اجتماع أكثر من مؤشر في وقت واحد. ضغط اقتصادي أمريكي يتجه إلى مستوى غير مسبوق وحصار بحري مستمر وحركة ملاحة مضطربة في مضيق هرمز وتهديدات إيرانية للدول التي تتعاون مع واشنطن واستعراض للقدرات الصاروخية وتحركات سياسية إيرانية في العراق واستمرار وجود جماعات وميليشيات وعصابات إرهابية مسلحة مرتبطة بطهران . وكل مؤشر منفرد قد يحتمل أكثر من تفسير لكن اجتماعها يرسم بيئة استراتيجية تستحق القراءة الدقيقة .
وحتى هذه اللحظة من تاريخه لا توجد مؤشرات أو دلائل علنية كافية تسمح بالجزم أو التأكيد بأن النظام الإيراني إتخذ قرارا بشن إعتداء غاشم سافر جديد على المملكة أو دول الخليج العربي . كما أن التهديدات السياسية والعسكرية لا تعني بالضرورة أن تنفيذها أصبح وشيكا . لكن قيمتها تكمن في أنها تكشف طريقة التفكير وتحدد الأدوات المتاحة وترسم بعض الاتجاهات الممكنة إذا إزدادت الضغوط وتعذر الوصول إلى تسوية .
ولهذا فإن الرسالة ليست أن يكون النظام الإيراني هاجسا بل أن نعرفه جيدا ونقرأ رسائله المشبوهة ونراقب قدراته ونفهم إحتمالات ( سلوكه العدواني ) وألا نمنحه فرصة المباغتة أو المفاجأة .
( معرفة الخصم قوة والحذر منه حكمة أما من يطمئن إلى النيات و يستهين بالقدرات فقد يمنح خصمه فرصة المباغتة ) .
إحذروا النظام الإيراني .
