الخنجر الذي لا يُنتزع

الخنجر الذي لا يُنتزع
موضي العمراني
ليس كل جرحٍ يُرى، ولا كل نزفٍ يترك أثره على الجسد. بعض الطعنات لا تستقر في اللحم، بل تنفذ إلى أعمق مواضع الروح، وتظلّ هناك، خفيةً عن العيون، واضحةً لصاحبها وحده.
لم يعلم أنه، حين طعنني بخنجرٍ مسموم في خاصرتي، لم يكن يجرح جسدي فحسب؛ كان يغرس في داخلي وجعًا لا يعرف طريقًا إلى الشفاء. ظنّ أن الطعنة لحظةٌ عابرة، ولم يدرك أن بعض اللحظات تختصر عمرًا كاملًا من الألم.
كان الخنجر أمام خيارين، وكلاهما موجع؛ إن أبقيته، ظلّ السم يسري في عروقي، يتكاثر مع كل صمت، ويوقظ في داخلي بركانًا لا يهدأ. وإن انتزعته، لم يكن الخلاص مضمونًا؛ فقد يخرج معه ما تبقّى من أمان، وتفتح في الروح أبوابٌ ظننت أنها أُغلقت إلى الأبد.
وهكذا عشت بين وجعين: وجع الخنجر وهو في موضعه، ووجع اقتلاعه حين يصبح الشفاء نفسه مؤلمًا.
ومع ذلك، تعلّمت أن الجرح لا يمنح صاحبه حق الانكسار إلى الأبد. وأن الذين يطعنوننا قد يتركون فينا ندبة، لكنهم لا يملكون أن يكتبوا نهايتنا.
فلا تقف متفرجًا أمام نزفي، ولا تسألني لماذا لم أعد كما كنت.
أنت لم تكن شاهدًا على الجرح…
أنت اليد التي حملت الخنجر، وغرسته، ثم مضيت، وتركتني وحدي أتعلم كيف أنجو منك.
وربما كان أقسى ما في الحكاية أنني لم أمت من طعنتك؛ بل وُلدت بعدها، أكثر صمتًا، وأكثر وعيًا، وأشدّ يقينًا بأن بعض الخناجر لا تُنتزع من الجسد دفعةً واحدة…
بل تُنتزع يومًا بعد يوم، حتى يأتي الصباح الذي لا يعود فيه للقاتل سلطانٌ على الجرح.
كاتبة رأي


