كُتاب الرأي
حين يبحث القلق عن يقين

حين يبحث القلق عن يقين
فيصل مرعي الكثيري
ثمة أشخاص لا تكفيهم الإجابة مرة واحدة. يسألون عن الحكم، ثم عن الاستثناء، ثم عن النية، ثم عن احتمال لم يقع، وبعد قليل يصبح احتمال الاحتمال نفسه سؤالا يحتاج إلى جواب. يبدأ الأمر بسؤال ديني عادي، ثم تتكاثر الأسئلة حوله حتى يبدو أن صاحبه لا يبحث عن معلومة بقدر ما يبحث عن الطمأنينة. وربما كان الإنسان هنا أحق بالتأمل من السؤال نفسه. فالدين يمنح الناس معنى للحياة، ويضبط السلوك، ويفتح باب الرجاء، ويضع الإنسان أمام تصور أوسع للحياة والموت والغاية. لكن الناس يدخلون إلى هذه المعاني بنفوس مختلفة. شخص يأتي بقلب مطمئن، وآخر يأتي محملا بالخوف، وثالث يحمل قلقا قديما يبحث له عن مكان آمن.
فهل كل ازدياد في الانشغال بالتفاصيل الدينية سببه ازدياد الإيمان؟ أم يستطيع القلق أحيانا أن يتحدث بلغة دينية؟
تأمل شخصا يخشى الخطأ في كل شيء. يتوضأ ثم يشك في وضوئه، يصلي ثم يعود ليسأل عن صلاته، يقول كلمة فيراجع معناها، ويتخذ قرارا ثم يبحث عن علامة تؤكد له أنه اختار الطريق الصحيح. الحرص على الدين مفهوم ومحمود، لكن الغاية تتغير حين يصبح المطلوب ضمانا كاملا لا تتيحه الحياة أصلا.
الإنسان القلق لا يرتاح للمساحات الرمادية. يريد طريقا واضحا، وإشارة حاسمة تقول له: امض هنا. وحين يجد أمامه منظومة من الأحكام والحدود والمعاني، قد يحاول أن يرتب بها عالما داخليا مضطربا. عندها يصبح الدين، إلى جانب معناه الإيماني، مكانا يبحث فيه الخوف عن الأمان. ولا ينتقص هذا من التدين، قدر ما يكشف شيئا من طبيعة الإنسان. شخص يغرق في العمل لأنه يحب الإنجاز، وآخر يغرق فيه لأنه لا يحتمل الفراغ. شخص يمارس الرياضة حفاظا على صحته، وآخر يطارد جسدا مثاليا لأنه لا يحتمل صورته في المرآة. الفعل واحد أحيانا، والدافع هو الذي يغير معناه.
لهذا لا تكفي كثرة الممارسات لفهم ما يجري داخل الإنسان. قد يزداد شخص عبادة فيزداد لطفا واتساعا وطمأنينة، وقد يزداد آخر انشغالا بالتفاصيل فيزداد توترا وقسوة على نفسه وخوفا من الخطأ. الصورة الخارجية متقاربة، أما السؤال الداخلي فمختلف.
الأول يسأل: كيف أقترب من الله؟ والثاني قد يسأل من غير أن ينتبه: كيف أضمن أنني لن أخطئ أبدا؟ والفرق بين السؤالين كبير.
الحياة الدينية تعترف بطبيعة الإنسان: يعرف ويجهل، يصيب ويخطئ، يتردد أحيانا، ثم يتعلم ويمضي. فيها تكليف ونية واجتهاد ورجاء وتوبة ورحمة. أما القلق فيريد ضمانا كاملا قبل الحركة، وهذا الضمان لا يملكه أحد.
ومن هنا تبدأ الدائرة. تأتي الإجابة فتمنح راحة قصيرة، ثم يظهر سؤال جديد. وبعده سؤال عن السؤال. يشبه الأمر من يغلق الباب ثم يعود ليتأكد، ثم يعود مرة أخرى لأن تأكده السابق لم يعد كافيا. وقد يظن الإنسان في هذه اللحظة أنه يبحث عن إجابة، بينما هو يبحث عن شعور. يريد أن يشعر بالأمان. فالإجابة قد تزيل الجهل، لكنها لا تستطيع دائما أن تزيل الخوف. قد يعرف المرء الحكم جيدا، ويظل داخله يطالبه بتأكيد جديد.
وهنا يصبح السؤال مختلفا: هل نحتاج فعلا إلى مزيد من الأجوبة، أم نحتاج أحيانا إلى أن نتعلم كيف نعيش مع قدر طبيعي من عدم اليقين؟
حتى الإيمان لا يحول الحياة إلى كتاب مفتوح. المؤمن لا يعرف ماذا سيحدث غدا، ولا مقدار رزقه، ولا عمره، ولا نهاية كثير من الأمور. الإيمان يمنحه معنى يمشي به وسط ما لا يعرف. وربما كانت هذه إحدى المفارقات الهادئة في المسألة: القلق يبحث في الدين عن يقين كامل، والإيمان يعلم الإنسان أن يطمئن مع بقاء أشياء في علم الغيب.
لهذا يستحق التدين أن يسأل عن أثره في صاحبه. هل جعله أهدأ، وأرحم، وأصدق، وأقدر على احتمال الحياة؟ أم جعله خائفا من كل خطوة، مستنفرا أمام كل احتمال، يبحث عن الطمأنينة حتى أضاعها في كثرة البحث عنها؟
والسؤال نفسه يتجاوز الدين. لكل إنسان شيء يتكئ عليه حين يخاف المجهول: مال، أو علم، أو مكانة، أو علاقة. وربما تكشف شدة تعلقنا بالأشياء ما لا تكشفه كلماتنا عنها. فحين يصبح شيء ما ضروريا لطمأنينتنا، قد يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا: هل أحب هذا الشيء حقا، أم أخاف الحياة من دونه؟

