كُتاب الرأي
ثقوب لا نراها

ثقوب لا نراها
فيصل مرعي الكثيري
حين يفرغ وعاء الماء نبحث تلقائيا عن الثقب الذي سرّب محتواه. أما في الحياة فنحن نفعل العكس؛ ننشغل بما ينقصنا، ونادرا ما نتفقد ما يتسرب منا. ولهذا فإن بعض أكبر خساراتنا لا تأتي من قلة ما نملك، بل من أشياء صغيرة تغادرنا كل يوم دون أن ننتبه إليها. ليس من الصعب أن نلاحظ الخسارات الكبيرة، فهي تعلن عن نفسها بوضوح. نفقد وظيفة فنعرف، وتنتهي علاقة فندرك ويخيب مشروع فنشعر بالألم. أما الخسارات الصغيرة فلها طريقة مختلفة في الحضور، تتسلل بهدوء وتعمل في الظل، حتى نكتشف بعد زمن أن شيئا من الرضا أو الامتنان، أو الإحساس بمعنى الحياة، قد غادرنا دون أن نعرف متى بدأ الرحيل.
ثمة ثقب يتشكل حين نؤجل ما نعرف أنه مهم. كتاب كنا نريد قراءته، وصديقا كنا ننوي التواصل معه، ومهارة تمنينا تعلمها، وفكرة جميلة قلنا إن لها وقتا آخر. لا يبدو التأجيل خطيرا في المرة الأولى، ولا في المرة العاشرة. لكن السنوات تمتلك قدرة عجيبة على جمع التفاصيل الصغيرة. وحين ننظر خلفنا نكتشف أن ما ضاع لم يكن يوما واحدا أو أسبوعا واحدا، فالقضية أن جزءا من العمر نفسه قد مضى عبر سلسلة طويلة من التأجيلات الصغيرة، بدأت كلها بعبارة قصيرة تتكرر على ألسنتنا: ((سأفعل ذلك لاحقا)).
وثقب آخر تصنعه المقارنات المستمرة. ننظر إلى ما عند الآخرين أكثر مما ننظر إلى ما بين أيدينا. نقيس رحلتنا برحلاتهم وأرزاقنا بأرزاقهم وتجاربنا بتجاربهم. يشتري أحدهم منزلا فنشعر أن ما نملكه قليل، ويحصد آخر نجاحا فننسى ما حققناه نحن. وكأن الإنسان مطالب بأن يعيش حياته وحياة الآخرين في الوقت نفسه. والمفارقة أن المقارنة لا تنتهي، فكلما وصل المرء إلى هدف وجد من سبقه إلى هدف أبعد. ولهذا فإن من يبني رضاه على المقارنة يشبه من يحاول ملء وعاء مثقوب بالمزيد من الماء. وهناك ثقب يفتحه الاعتياد. فالإنسان يملك قدرة عظيمة على التكيف، وهي نعمة حين يواجه الشدائد، لكنها قد تتحول إلى غفلة حين يتعلق الأمر بالنعم. نعتاد الصحة حتى نتعامل معها كأنها أمر مضمون، ونعتاد الأحبة حتى نؤجل كلمات الامتنان، ونعتاد الأيام الهادئة حتى ننسى قيمتها. ثم يأتي ظرف مفاجئ يذكرنا أن ما كان يبدو عاديا كان في الحقيقة كنزا يوميا نعبر بجواره دون التفات.
ومن الثقوب التي لا ينتبه إليها كثير من الناس استهلاك الوقت في معارك لا تستحق. جدال طويل لإثبات رأي في فضاء رقمي، وغضب ممتد بسبب تعليق تافه، وانشغال بأشخاص لا يضيفون إلى الحياة معنى ولا قيمة. وقد يظن المرء أنه يدافع عن موقف أو ينتصر لفكرة، بينما ما يخسره من صفاء النفس والوقت يفوق بكثير ما يمكن أن يكسبه من ذلك الجدل. فليست كل معركة جديرة بأن نخوضها، كما أن الانتصار في بعض النقاشات قد يكون شكلا آخر من أشكال الخسارة.
وقد تتكون بعض الثقوب من كلمات صغيرة. كلمة قاسية قيلت في لحظة غضب، أو وعد لم يف به صاحبه، أو سخرية ظنها قائلها مزحة خفيفة. نحن لا نعيش بالأحداث الكبرى وحدها، فالكلمات أيضا تبني الجسور وتهدمها، وتترك آثارها في الذاكرة زمنا أطول مما نتوقع. كم من علاقة ضعفت بسبب تراكم كلمات مستهان بها، وكم من نفس استعادت قوتها بعبارة صادقة جاءت في وقتها المناسب.
ومن أغرب الثقوب ذلك الذي ينشأ حين نتوقف عن مساءلة أنفسنا. يعيش الإنسان سنوات طويلة وهو يكرر العادات ذاتها، والأفكار ذاتها وردود الأفعال ذاتها دون أن يسأل نفسه: هل ما زلت أسير في الطريق الذي أريده حقا؟ بعض الناس لا يضلون الطريق فجأة، فهم يبتعدون عنه خطوة صغيرة كل يوم. ولهذا كانت المراجعة الصادقة للنفس ضرورة، لأن الإنسان قد يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه وصل إلى مكان لم يكن يقصد الوصول إليه أصلا.
وقد يعترض أحدهم قائلا: وما قيمة هذه التفاصيل الصغيرة أمام التحديات الكبرى التي يفرضها الواقع؟ وهو اعتراض يبدو معقولا للوهلة الأولى. غير أن التجربة الإنسانية تعلمنا أن الجدران لا تسقط بسبب ضربة واحدة دائما، فكثير منها يبدأ بتصدعات دقيقة تتسع مع الزمن. وكذلك الحياة.. فالأزمات الكبيرة قد تزور الإنسان مرات محدودة في عمره، أما التفاصيل اليومية فتزوره كل يوم. وما يتكرر يوميا يترك في النفس أثرا أعمق من حدث كبير يقع مرة واحدة ثم يمضي. لهذا لا تحتاج الحياة دائما إلى إضافات جديدة بقدر حاجتها إلى مراجعة ما يتسرب منها. فالحكمة لا تبدأ من البحث عن المزيد، بل من الانتباه إلى ما نفقده بصمت. وقد يكون الإنسان منشغلا بالسعي نحو سعادة جديدة، بينما السعادة التي يملكها تغادره من منافذ مفتوحة لم يكلف نفسه عناء تفقدها.
لذلك قد يكون السؤال الأهم: ماذا نفقد كل يوم دون أن ننتبه، ونحن نركض خلف ما نظن أننا نفتقده؟

