كُتاب الرأي
” في “بك أصبحنا”

” في “بك أصبحنا”
ملامح طالب الأمس وتطلعات جيل اليوم
بقلم: سعود العتيبي
في طريقنا اليومي المعتاد إلى العمل، وبينما تزدحم الشوارع بالمركبات، تفتح لنا إذاعة القرآن الكريم من مكة المكرمة نافذة أثيرية دافئة تأخذنا إلى أعماق نفوسنا وتاريخنا التربوي. وفي حلقة استثنائية من برنامج “بك أصبحنا”، طُرح سؤال جوهري شكّل محور النقاش: كيف نهيئ طالب اليوم للمدرسة؟ وكيف كان طالب الأمس؟تحت عنوان “الطالب المتفائل وأول سنة دراسية”، دارت عجلة الذكريات، وتداخلت أصوات معلمين مخضرمين ترجلوا عن صهوة الميدان التعليمي بعد عقود من البذل. شهدت الحلقة اتصالات تفيض بالشجن، حملت بين طياتها صوراً متناقضة؛ ذكريات جميلة لزمن البساطة، تقابلها صور قاسية لممارسات تعليمية خاطئة اتسمت بالعنف والإيذاء النفسي، في ظل انعدام كامل للإمكانات وتأهيل تربوي كان يقوم على مقولِة أثبت الزمن بطلانها: “ما يتعلم إلا من لديه رهبة تفوق الرغبة”.إن قراءة تلك الحقبة بإنصاف تقتضي منا أن ندرك أن معلم الأمس كان “الخصم والحكم” في آن واحد، لا رغبة في الإيذاء، بل نتيجة لضعف التأهيل التربوي والنفسي آنذاك، وإعادة إنتاج تلقائية للعنف الذي تعرضوا له من معلميهم في صغرهم. وبرغم كل تلك القسوة، لا يمكن للتاريخ أن ينكر فضلهم؛ فقد كانوا صناع أثر حقيقي، خرّجوا أجيالاً قادت البلاد وبنت مؤسساتها بضمائر حية واجتهاد مخلص وفق المتاح.
اليوم ونحن نعيش عصر العولمة والشاشات، ندرك تماماً أن المعلومة الممزوجة بالخوف تتبخر، بينما المعلومة المحفوفة بالحب والتشجيع تدوم مدى الحياة. فكم من معلم حانٍ غرس في نفوسنا كلمة “يا بطل” أو “يا ولدي”، فظلت تلك الكلمة وقوداً لنجاحنا حتى يومنا هذا، وأثبتت أن الأثر العاطفي الإيجابي هو الوعاء الحقيقي للمعلومة المستدامة.
لقد جاءت التقنية الحديثة اليوم لتحدث ثورة بيضاء في الميدان التربوي؛ فكسرت حاجز الرهبة القديم، وحولت العلاقة بين المعلم والطالب إلى علاقة تعاونية، تشاركية، وتفاعلية. لم يعد المعلم ملقناً محتكراً للمعلومة، بل أصبح موجهاً وميسراً، وتحولت الصفوف بفضل الأنشطة الرقمية إلى مساحات آمنة جاذبة تثير الشغف وتلبي الفروق الفردية.
إننا اليوم، ونحن نستقبل عاماً دراسياً جديداً، بحاجة إلى دمج “حنونة التربية الأولى” و”أصالة المعلم الحاني”، مع “أدوات التقنية التشاركية الحديثة”. هذه التوليفة هي السر لصناعة “الطالب المتفائل” الذي يدخل مدرسته بشغف، ويتعلم بحب، ليقود مستقبلاً مشرقاً يقوم على الرغبة لا الرهبة.تحية إجلال لمعلمي الأمس الذين اجتهدوا فأصابوا وأخطأوا، وتحية أمل لمعلمي اليوم الذين يحملون أمانة البناء بالحب والتمكين.

