كُتاب الرأي

حسين سرحان رهين المعابدة

حسين سرحان رهين المعابدة
=============

سعود شباب العتيبي

يُعد الأديب والشاعر السعودي الراحل حسين سرحان ( 1914 – 1993 ) أحد أبرز رواد التجديد في المشهد الأدبي السعودي والعربي الحجازي، حيث زاوج بين جلال اللفظة الموروثة والنزعة الرومانسية التأملية المغلفة بمسحة فلسفية حزينة. اتسمت مسيرته بالصراع الوجودي بين أصالة البداوة وزيف المدنية، مما انعكس بعمق على شخصيته الانعزالية وأسلوبه الفني الذي تميز بالعمق والفرادة وازدواجية العاطفة المتوقدة والتشاؤم الساخر.فيما يلي قراءة نقدية تحليلية شاملة لأدبه وأسلوبه :
أولاً العتبات السيرية وتشكيل الوعي (سيرة التناقضات المثمرة)
. ثنائية البداوة والحضارة:
وُلد سرحان في مكة المكرمة لأسرة تعود جذورها إلى بادية نجد (قبيلة عتيبة) ، حيث قدم والده إلى مكة بعد أن ترك ( مصدة ) هجرة الروسان والواقعة شمال الداودمي فعاش ممزقاً بين نقاء الصحراء وقسوتها، وصخب المدينة وظلالها ، هذا التناقض شكل وعيه المبكر وجعله ينحاز أدبياً ونفسياً إلى حياة البداوة.
العصامية والمعرفة الذاتية:
رغم التحاقه بمدرسة الفلاح بمكة، فإنه لم يكمل تعليمه النظامي. اعتمد على التثقيف الذاتي والنهم القرائي غير المحدود؛ فقرأ لأفلاطون وأرسطو، واطلع على الفلسفة الإغريقية والشعر الفارسي القديم، بجانب تمكنه من عيون الأدب العربي القديم.
محطات الحياة والمهنة:
تقلب في مهن متباينة تعكس ثراء خبرته الحياتية وعفويته، فبدأ من تجارة ورعي الأغنام في صغره، وصعد ليتولى وظائف رسمية حساسة منها رئاسة اللجنة التنفيذية لتوسعة الحرم المكي، ورئاسة تحرير مطابع الحكومة السعودية حتى تقاعده.

ثانياً: الملامح النفسية والشخصية (المعري الحجازي المتمرد)
الانعزالية والتشاؤم:
وُصف حسين سرحان بـ “رهين المحبسين” المعاصر، لتشابهه مع أبي العلاء المعري في السوداوية والانعزال عن الناس. تعمقت هذه النزعة لديه إثر فاجعة فقدانه لثلاثة من أبنائه في حياته (مزنة، محمد، وهيا)، مما جعله يرى الحياة عبئاً ثقيلاً ويميل إلى العزلة والانطواء في منزله بحي المعابدة.

الموقف من المجتمع وزيف المدن:
كان ينظر للمدن كـ “مغسلة للمبادئ”، وعانى من صعوبة التأقلم مع التحولات الاجتماعية الحضرية، فآثر الصراحة الحادة على النفاق والمجاملات الاجتماعية.
محرقة النتاج الأدبي:
بلغت ذروة مأساته النفسية وعدم رضاه الوجودي حين أقدم في فترات من حياته على إحراق أجزاء من شعره ونثره؛ رغبة منه في التخلص من أثقال البوح الفلسفي الحزين وتطهير ذاته من عناء المواجهة مع العالم.

ثالثاً: الخصائص الأسلوبية والقراءة النقدية للإنتاج الفني

(أصالة القالب وتجديد الرؤية):

تميز شعره بالالتزام بعمود الشعر التقليدي من حيث الوزن والقافية المنوعة. غير أن مضامينه كانت رومانسية إنسانية، تفلسف الألم وتتأمل الموت والوجود. ويتضح ذلك في دواوينه الثلاثة: (أجنحة بلا ريش)، (الطائر الغريب)، و(الصوت والصدى)
النزعة الساخرة والقتامة الوجودية:

كان سرحان يوظف السخرية في مقالاته وقصائده كأسلوب دفاعي ضد مرارة الواقع. غير أنها كانت سخرية سوداء قاتمة تشبه سخرية “ابن الرومي” الذي تأثر به كثيراً.
الأسلوب النثري والقصصي:
غلب على مقالاته الطابع القصصي والرمزي. فقد طوع لغته الرصينة والجزلة المستقاة من التراث لخدمة قضايا اجتماعية ونقدية معاصرة في مقالات جمعت لاحقاً في مجلدات ضخمة توثق أثره النثري الفريد.

كاتب رأي 

 

 

سعود شباب العتيبي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.