مديري الأول… الذي ألهمني غائبًا وعلمني حاضرًا

مديري الأول… الذي ألهمني غائبًا وعلمني حاضرًا
سعود بن شباب العتيبي
من عتمة الانتظار وصحراء الأحلام، تولد المصادفات لتصنع لنا قدرًا يُشبه المعجزات. في حياة كل منا محطات فارقة، نلتقي فيها بأشخاص يُعيدون تشكيل وعينا، ويتركون بصماتهم غائرة في وجداننا. هذه حكايتي؛ حكاية طالب كبر على صدى اسم غائب، ليصبح يومًا ما اليد اليمنى لصاحب ذلك الاسم، في مفارقة عجيبة خطّها القدر بأجمل فصوله؛ تأبينًا لقامة تربوية واجتماعية لم تغب عن الذاكرة.
تبدأ الحكاية في عام 1983م، حين نُقل الوالد للعمل بمركز (جرداء بني علي)، تلك البقعة الغالية التي تتناثر قراها وادعة على ضفاف وادي (فحل)، الذي ينحدر هادرًا من أعالي جبال السراة الشامخة. كانت الجرداء حينها تعيش حياة حالمة بسيطة، يملأ طهرها قلوب أهلها الأوفياء الذين عُرفوا بنبل الأخلاق والشهامة والكرم وحسن الجوار. في هذا المحضن النقي، وفي البيئة نفسها التي كانت مسقط رأس مديري ومرتع طفولته وصباه، كنت أنا صبيًا غضًا في الصف السادس الابتدائي، أتحسس طريقي نحو النضوج.
كانت مدرستنا آنذاك تجمع بين المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، وكانت مكتظة بطاقم كامل من المعلمين الوافدين. وكم تملكتني الدهشة والذهول حينها؛ فقد جئت من منطقة الباحة، وكانت مدارسنا تزخر بالمعلمين السعوديين، لأجد نفسي هنا في بيئة تعليمية غاب عنها الكادر الوطني تمامًا، وكانت إدارة المدرسة أيضًا بيد طاقم وافد. وسط هذه الأجواء، كان هناك طيف حاضر يملأ أركان المدرسة رغم غيابه الجسدي؛ إنه المدير السعودي وابن المركز الذي سلّم عهدة المدرسة قبل أيام معدودة من مجيئنا إليها لوكيله، وتوجه إلى مكة المكرمة لإكمال دراسته.
لقد صَنعت له سمعته العطرة وشخصيته المهابة، التي يتناقل الناس أخبارها، صورة أسطورية في مخيلتي كطالب. كنت أمشي في ممرات المدرسة، فأتخيل خطاه، وأتحسر في سري وأقول: (ليتني أدركته!). مرت الأيام، والتحقت بالمرحلة المتوسطة وأتممتها، ثم يممت وجهي نحو معهد إعداد المعلمين، لأتخرج فيه في الربع الأول من عام 1989م، حاملًا معي شغف البدايات وأحلام المعلم الشاب.
وفي شهر سبتمبر من عام 1989م، صدر قرار تعييني معلمًا في مدرسة (عقبة بن نافع) الابتدائية بجرداء بني عاصم. وكم كانت دهشتي وذهولي حين وطئت قدماي المدرسة لأجد أن مديرها ليس سوى ذلك الغائب الحاضر… الأستاذ عبدالله بن موسى البليه! نعم، هو ذاته المدير الذي تمنيت يومًا، وأنا طفل، أن ألتقي به واقفًا في طابور الصباح. ها هو اليوم يستقبلني معلمًا في مدرسته، وكأن الجرداء ووديانها أبت إلا أن تجمعنا في فضاء العطاء.
لم يكن الأستاذ عبدالله مجرد مدير يوجه ويأمر، وإنما كان مدرسة قائمة بذاتها في التعليم والقيادة والتربية، وامتدادًا لأصالة أهل الجرداء وفضلهم. سرعان ما توطدت علاقتي به، وأبصر فيّ طموحًا فرعاه، وشغفًا فاحتضنه. بدأ يُسند إليّ أعمال المدرسة كلما غاب، ولم يكن ذلك عبئًا، وإنما كان درسًا عمليًا متقدمًا تعلمت منه فنون الإدارة وحكمة التوجيه.
كنت معلمًا للتربية البدنية ورائدًا للنشاط، مشتعل الحماس. وذات يوم أبديت له رغبتي في أن تكون المدرسة حاضرة ضمن مدارس القطاع من خلال المشاركة في الأنشطة التي كانت تقيمها إدارة التعليم، فرحب بالفكرة وتحمس لها. وبتوجيهاته وموافقته ودعمه اللامحدود، نجحنا في المشاركة لأول مرة في تاريخ المدرسة بحفل مميز في مدارس (آل صلاح)، وهي الخطوة التي ما كانت لتتم لولا إيمانه بالشباب وقدراتهم. لم أدركه مديرًا وأنا طالب، لكنه أصبح مديري وأستاذي وقدوتي وأنا معلم… وكنت تلميذًا في مدرسته الإنسانية الكبرى.
ولم تقف أفضال هذا الرجل عند حدود أسوار المدرسة؛ فقد كان الأستاذ عبدالله البليه رجلًا استثنائيًا في مجتمعه، ذا جاه، محسوبًا في قبيلته، وصاحب مال يداين الناس ويعاملهم بالمعروف، ويوسع على المعسر، ويقيل عثرة المحتاج. فكان غياثًا لمن حوله، يجمع بين هيبة القائد ورحمة الأب وشيم الكريم التي استقاها من والده، الذي كان من رموز دوس بني علي. وقد صدق فيه قول الشاعر:
تَراهُ إِذا ما جِئتَهُ مُتَهَلِّلًا كَأَنَّكَ تُعطيهِ الَّذي أَنتَ طالِبُهْ
هُوَ البَحرُ مِن أَيِّ النَواحي أَتَيتَهُ فَلُجَّتُهُ المَعروفُ وَالجودُ ساحِلُهْ
وفي عام 2008م، انطفأت تلك الشعلة المضيئة، ورحل الأستاذ عبدالله عن دنيانا، تاركًا خلفه فراغًا في مجتمعه ما زال شاغرًا إلى اليوم. فهو من نسيج فريد لا يتكرر، وقامة عزّ أن تجود الأيام بمثلها. ورغم مرارة الفقد وحسرة الغياب، فإن عزاءنا أنه غرس في الأرض امتدادًا لروحه؛ فرحل وترك من خلفه أبناء نجباء، ساروا على خطى والدهم في دروب الرفعة والتمكين. فمنهم المعلمون الذين يحملون مشاعل المعرفة، والمهندسون الذين يبنون صروح المستقبل، يقتفون أثره الصالح، ويسيرون على النهج نفسه، ليبقى اسمه حيًا فيهم وفي كل من تعلم منه.
يا أستاذي وقدوتي… إن غيّبك الموت جسدًا، فإنك في قلبي وقلوب كل من علّمتهم وأخذت بأيديهم حيّ لا تموت. لقد كنت لي المبتدأ والخبر، والقدوة والأثر. رحمك الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمته للعلم وللناس في ميزان حسناتك، وضاعف لك الأجر في جنات النعيم. ستبقى سيرتك عطرًا ينبت في حنايا الروح، ونورًا يُستضاء به في دروب العطاء.
كاتب رأي



