حسين سراج : نبوءة المسرح وهندسة الأثير

حسين سراج : نبوءة المسرح وهندسة الأثير
سعود شباب العتيبي
لم يكن حسين سراج مجرد كاتب يدوّن أفكاره على الورق، بل كان فكرة استباقية تمشي على قدمين، وصوتًا هاتفًا في وادٍ ثقافي لم يكن قد تمهّد بعد؛ إنه الأثر الذي بدأ قبل أن يبدأ.
ففي الوقت الذي كانت فيه الساحة الثقافية السعودية تتلمس طريقها عبر القصيدة العمودية والمقالة التقليدية، كان هو يمرر من مسارب الغيب معالم فن جديد، صانعًا ضربة البداية للمسرح السعودي قبل أن يتكون هذا المسرح كبنية فنية أو تقاليد عرض.
وحين خطّت أنامله مسرحية “الظالم نفسه” في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، لم يكن يكتب مجرد نص حواري، بل كان يؤسس لوعي درامي غائب، ويضع حجر الأساس لمفهوم المواجهة الإنسانية على الخشبة في بيئة لم تكن قد عرفت الخشبة أصلاً.
ليكون عمله هذا بمثابة نبوءة إبداعية سبقت الواقع وعمّدت ولادة الفن الدرامي المحلي وعبرت عن بواكر النضج في فكر هذا الرائد الثقافي الكبير.
هذا التوقد الاستباقي لم يتوقف عند حدود الابتكار البنيوي للمسرح النثري، بل تمدد ليصنع أثرًا أكثر عمقًا في روح النص الشعري والدرامي معًا، مدفوعًا بروح إنسانية وجدانية عالية تفيض بالرقة والعاطفة النبيلة التي طبعت شخصيته وانعكست على شخوصه المسرحية.
فقد أدرك حسين سراج أن التراث العربي يكتنز دراما حية تنتظر من يطلق سراحها بلسان معاصر، فجاءت غراميات ولادة والوزير ابن زيدون في مسرحيته الشعرية الفذة لتنقل الشعر من فضاء الإنشاد والمديح الذاتي إلى فضاء الحوار الإنساني المتشابك المليء بالصراعات العاطفية والوجودية.
ومن خلال هذا المزج العبقري بين التاريخ والأندلس والوزن والقافية، أثبت أن النص الشعري المسرحي قادر على احتواء التراجيديا الإنسانية بكامل عنفوانها، مرسخًا بذلك ريادة سعودية تجاوزت الحدود الإقليمية لتصافح كبار مسرحيي العالم العربي في عواصم الفن آنذاك، ومؤكدًا أن الأثر الحقيقي لا ينتظر نضج الظروف المحيطة، بل هو من يخلق ظروف نضجه ويبذر في الأرض البكر بذور المستقبل.
ولأن الرؤية الاستشرافية لـحسين سراج كانت تتسع باتساع الأفق، فقد أدرك مبكرًا أن الكلمة المكتوبة بحاجة إلى جناحين من أثير لكي تصل إلى أعماق المجتمع وتلامس وجدان العامة والخاصة على حد سواء، فكان امتداد أثره طبيعيًا نحو التأسيس لـلأثير والدراما الإذاعية في وقت كانت فيه الشاشات غائبة والآذان متعطشة للحكاية.
ومن خلف الميكروفون، انبعثت أفكاره نابضة بالحياة عبر مسلسله الشهير “دموع وشموع” ليمزج فيه بين الفن المسموع والقضايا الاجتماعية الملحة، محولاً الإذاعة من مجرد منبر جاف للأنباء إلى مرآة حية تعكس هموم الناس وأشواقهم، مثلما برع في برنامجه “من وحي القرآن” الذي صاغ من خلاله الوعي الديني والأدبي بقالب حواري عذب وقريب من الوجدان العام.
لقد نسج سراج بهذه الأعمال الصوتية أولى خيوط المسرح المسموع، فصنع ثقافة بصرية بالكلمة وحدها، وزرع في وعي المستمع المحلي ذائقة فنية جديدة مهدت الطريق لأجيال من المبدعين في قطاع الإعلام والدراما.
إن هذا التدفق الإبداعي المتكامل، الذي تنقل بين المسرح المكتوب والشعر الدرامي والأثير الإذاعي، يلخص حقيقة الأثر الذي يسبق الوجود؛ حيث لم يرحل حسين سراج إلا وقد ترك وراءه أثرًا ممتدًا يتجاوز حدود حياته الزمنية، متجسدًا في مدونات أدبية من عشرة مجلدات تحولت إلى مراجع أكاديمية تنهل منها أطروحات الماجستير والدكتوراه، وصارت منارة تؤصل لجذور الفن في الجزيرة العربية.
ومن بوابة الدبلوماسية الثقافية التي مثل فيها بلاده كأول مدير عام لرابطة العالم الإسلامي، كان سراج يحمل معه هذه الروح الريادية لينشرها في عواصم العالم، مؤكدًا للعالم أجمع أن الإبداع السعودي ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسيرة شقّ طريقها رواد استثنائيون صنعوا الضوء قبل أن تولد المصابيح، وظلوا يكتبون المستقبل بأقلام الحاضر ليبقى أثرهم حيًا، متجددًا، وعصيًا على النسيان.
كاتب رأي

