عشقتها… جرداء

عشقتها… جرداء
في مطلع فبراير من عام 1983م صدر قرار معالي أمير منطقة الباحة آنذاك بنقل والدي إلى إقليم تهامة، إلى مركز ببلدة صغيرة تقع شرق محافظة الحجرة في تهامة زهران. كنت يومئذٍ في الصف السادس الابتدائي، وما كنت أُدرك أن هذه البلدة الصغيرة – المتناثرة قراها كحبات اللؤلؤ على ضفاف وادي فحل المنحدر سيله من قمم جبال السراة الشامخة – ستتسع لتحتضن عمراً كاملاً من الذكريات.
بدأت حكاية عشقي مع مواسم الأمطار شتاءً، حين تتلبّد السماء بالغيوم، ويُسمع هزيم الرعد ويُشاهد وميض البرق، فتتساقط قطرات المطر على وجنات القرى المتناثرة على ضفاف الوادي فتستبشر ثم تتراقص مختالة طرباً تحت وابل المطر، ويأتي الربيع بحُلّة يكسو بها الجبال بساطاً أخضر، وتطلّ اللآلئ الفاتنة من الضفتين الجنوبية والشمالية للوادي وقد اكتست باثنتين من ثلاثٍ يذهبن الحزن. وللفاتنة مع الصيف حكاية أخرى وموعد مع المطر؛ فهذه البلدة الواقعة في حضن المرتفعات تتأثر بهطول المطر على الجبال، فيأتي السيل عبر الوادي ليمنح القرى المتناثرة على الضفتين مياهاً تعجّ برائحة العرعر وأشجار السدر والبشام، فيسقي مدرجاتها ويغسل نواصيها ليخفف حرارة الصيف الملتهبة.
هناك على ضفاف الوادي، وبإحدى قراه، ترعرعت ونشأت نشأة الشباب التي لا تعرف الكلل.
قضيت نهاية المرحلة الابتدائية والمتوسطة طالباً بمدرستي عبدالله بن عباس وحطين المتوسطة، في ذلك الصرح التعليمي الشامخ رغم بساطته. عشت أجمل مراحل حياتي الدراسية، من طابور الصباح إلى فصول الدراسة، ومن ثم إلى الفناء حيث الفسحة والنشاط الرياضي المستمر.
كان معلمونا خليطاً من الجنسيات العربية المختلفة؛ مصريون، وسودانيون، وسوريون، وأردنيون. كل واحد منهم جاء محمّلاً بتجربة ولهجة وثقافة، فصارت المدرسة جامعة معرفية. ومن هؤلاء المعلمين من غرس فينا أكثر من المقرر؛ ومنهم الأستاذ السوري عبدالوهاب السلطي، معلم التاريخ والجغرافيا. كان يجعلنا نعيش التاريخ لا نحفظه، نشمّ عبق البطولات والمفاخر العربية حتى كأن صلاح الدين يقف أمامنا. ويبحر بنا في مادة الجغرافيا فينقل لنا العالم كله إلى الفصل: جبال الألب، ونهر النيل، وصحراء الربع الخالي… كلها تصير أمامنا. هو أول من غرس فينا حب الإذاعة والإعلام، وعلمنا كيف يكون الصوت رسالة.
وكان له منهج فريد في تصحيح الواجب لا يزال محفوراً في ذاكرتي. يكتب الأسئلة على السبورة، ثم يطلب من كل طالب أن يجيب شفهياً عن سؤاله أمام زملائه. فإذا أخطأ أحد صوّب له بهدوء وحكمة، وإذا أصاب عزّز له وأثنى عليه أمام الجميع. بهذه الطريقة تعلمنا الجرأة، وتعلمنا أن الخطأ طريق إلى الصواب، وأن التعلّم مشاركة لا تلقين.
والنشاط المدرسي كان مفعّلاً بشكل مشوق لا يُنسى. الإذاعة الصباحية مسرح نتنافس عليه، والفناء يتحول إلى ملعب كرة قدم، وصالة عرض لمسرحيات هادفة نكتبها بأيدينا. مسابقات الخطابة، والمعارض العلمية البسيطة، وحصة النشاط التي كنا ننتظرها كما ننتظر العيد. لم يكن النشاط “حصة فارغة” بل كان منبع الحماس الذي يجعلنا نحب المدرسة.
أما المناهج فكانت إثرائية وغنية بالمعلومات، رغم قلة الوسائل. كتاب القراءة حكاية، والتاريخ رحلة، والعلوم تجربة نعملها بأبسط الأدوات. كان المعلم يشرح الدرس ثم يفتح لنا باب السؤال حتى نشبع فضولنا. كنا نحفظ المعلومة لأنها تشبهنا، لا لأنها للاختبار فقط.
البيئة كانت جاذبة رغم قلة الإمكانات. مبنى مستأجر بجدرانه البسيطة، ومقاعد خشبية، وسبورة طباشيرية، لكنه كان منبع إبداع. ضيق الفصول وسّع خيالنا، وقلة الأجهزة أيقظت عقولنا. كنا نصنع وسائلنا من الكرتون والعلب الفارغة، وبعض خامات البيئة، ونحوّل العجز إلى ابتكار.
كانت المدرسة منارة إشعاع فكري للمركز كله. يجتمع فيها أبناء القرى المجاورة، فيتلاقح الفكر، وتُقام فيها الأمسيات والمسابقات التي يحضرها وجهاء البلدة. خرّجت أجيالاً صاروا معلمين وأطباء ومهندسين. لم تكن مجرد مبنى، بل كانت مصنع رجال، ومحراب علم، وذاكرة لا تشيخ.
عبق التعليم في تلك الحقبة كان مختلفاً؛ لا زلت أتذكر رائحة الكراريس وأدوات الكتابة، فضلاً عن مقررات الدراسة ومحتواها الشائق. روائح شممتها فإذا هي أزكى من الشيح والكادي.
ثم التحقت بمعهد إعداد المعلمين بمحافظة قلوة، وكنت أعود نهاية كل أسبوع لعشيقتي. وبعد ثلاث سنوات تخرجت في صيف 1989م، ولبست ثوب التعليم معلماً، ومكثت في المركز إلى نهاية عام 1997م. أربعة عشر عاماً بين الفصل والبيت والجبل والوادي… كان عمراً لا يتكرر.
وكان للبلدة نبض أسبوعي لا يُنسى، يتمثل في “سوق السبت”.
كان سوقاً شعبياً جامعاً، ومهرجاناً ثقافياً تجارياً يحضره لفيف من أهالي المراكز المجاورة. يبدأ مع أول خيوط الفجر، فتُساق المواشي إلى الحظائر، ويعلو ثغاء الغنم وخوار البقر، ويقف كبار التجار على منصة البيع والشراء بأصواتهم الجهورية.
وفي زاوية منه تصطف جرار السمن البلدي، تفوح رائحته قبل أن تصل إليه، وتحاذيه جَوالين العسل بمختلف أنواعه باختلاف ثماره: كعسل السدر الصافي، وعسل السُّمرة والضهيان. وفي جهة أخرى تقف سيارة محمّلة بالفواكه، يضعها صاحبها على البُسط كأنها بضاعة نفيسة.
وفي ركن قصيّ تُباع ألعاب الأطفال البدائية: الطائرة الورقية ببضع ريالات، والسيارة المصنوعة من السلك يجرها الصبي بحبل. ويستمر السوق حتى العاشرة صباحاً، فإذا انقضى جمع التجار بضائعهم، وعاد الهدوء إلى المركز.
> دِيارٌ خَلَت مِن أَهلِها فَكَأَنَّما
> تُنادى عَلَيها بِالفِراقِ مُنادِ
أما اليوم فقد تبدل الحال. رموز ذلك السوق – كبار تجار السمن والعسل والمواشي – مضوا جميعاً إلى رحمة الله.
ثُمَّ اِنقَضَت تِلكَ السُنونُ وَأَهلُها
فَكَأَنَّها وَكَأَنَّهُم أَحلامُ
انقضت تلك السنون بأهلها، وغاب السوق فلم يبق له صوت ولا زحام.
دخلت الكهرباء، وشقّ الطريق المعبد صدر المركز، وارتفعت المباني الحديثة. تطور المكان، وغاب الإنسان. غير أن تفاصيل الزمن الجميل ذهبت من الواقع وبقيت في ذاكرتي راسخة. فأنا العاشق المتيم؛ ذهبت رائحة السمن والعسل، وذهبت معه روائح السوق العطرية، واختفى صوت الدلّال في سوق المواشي، وضحكات الصبية وهم يطلقون طائراتهم الورقية.
والآن أصبحت تلك اللآلئ خالية من ساكنيها، وبقيت المباني شواهد تبوح بطيف الذكرى وبالراحلين. هاجر الناس إلى المدن طلباً للرزق والتعليم، فبقيت البيوت شامخة بلا سكان! وصارت الشوارع التي امتلأت بالحركة هادئة موحشة. لم يبق إلا الذكريات، تأتيني عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع كل هطلة مطر، ومع كل مناسبة عيد، ومع كل غروب ربيعي بهيج.
عشيقتي الجرداء لم تكن مسكناً فحسب، بل كانت العمر الذي لا يُعاد. كانت البداية، والحكاية، والحب. كسوتها بحبي في طفولتي وصباي وريعان الشباب، وها هي اليوم تكسوني بحنينها وأنا على مشارف الستين.
وفي القلب أنواعٌ من الشوق جِمّةٌ
تُدَكُّ لأدناها الجبالُ الشوامخُ
أحنُّ إلى وجهٍ تلوَّن بالأسى
وفي عينهِ حزنٌ ونبضٌ وبارقُ
وأشتاقُ بيتاً قد علاهُ سكونُهُ
وفيهِ حنينُ الأمِّ، ودفءٌ صادقُ
تمرُّ الليالي، والغريبُ كما ترى
يُعاني، وفي صمتِ الجراحِ يُصادقُ
تلكم هي عشيقتي جرداء بني عليّ، عليها وعلى ساكنيها وأهلها السلامُ.
سعود بن شباب العتيبي





وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
سلاماً الى تلك القلوب التي تكتب الذكريات الجميله العاشقه المرهفة الاحساس والمشاعر .
تحية خاصه لك أخي الاستاذ / سعود بن شبّاب العتيبي .
مقال رائع وجميل بجمال ذكرياتكم الجميله التي عشت وسكنت انت فيها ودرست وتخرجت منها وتعينت فيها معلماً واستاذاً قديراً في ديرتي ومسقط رأسي جرداء بني علي .
لا استطيع مجاراة قلمك وتعابير كلماتك الرائعة والراقيه بكل ماتعنيه من معاني كلمات قلما نجد من يكتب بمشاعر الحب والعشق والغرام لديرة ليست مسقط رأسك ولكنك رفعتها فوق رأسك ومنحتها وأهلها احتراماً وتقديراً وتعبيراً ليس له نظير .
تقبل تحياتي اخي الكريم .
اخوكم الصغير /
محمد بن صالح بن مدربي .
اشكر الاستاذ سعود شباب العتيبي
وهو احد معلميني السابقين بجده. عمر المختار.
ايام لن تعود.
الاستاذ والأخ الحبيب سعود بن شباب.
ربما لم اعيش في المنطقه ولم اتذوق حياتها.
ولكن ماسطرت جعلني اعيش كل تفاصيل الحياة فيها في كل حرف كتبت.
انت رجل وفي أحببت المنطقه وأهلها.. وفي المقابل غرست في قلوبهم محبة اسرتكم الكريمه حتي هذا اليوم
شكرا سعود لكل ماسطرت هنا
جميل جدا ذكريات العمر تعدمن افصل مرحلة الحياه البسيطة جداً
شكرا زميليي ابوماجد على اهتمامك بديرتنا التى عشنا فيها اجمل مراحل العمر