كُتاب الرأي

النفاق التربوي: اتساق القدوة معيار بناء الأجيال

النفاق التربوي: اتساق القدوة معيار بناء الأجيال
——————

تُمثل التربية ركيزة أساسية في بناء الإنسان وتنمية المجتمعات، وتستمد قوتها من اتساق منظومتها بين القول والفعل. غير أن من أبرز التحديات التي تواجه العملية التربوية اليوم ما يُعرف بـ “النفاق التربوي”، وهو الفجوة بين الخطاب القيمي الذي يُلقّن للنشء، والممارسة السلوكية التي يشاهدونها في المربين، سواء داخل الأسرة أو في البيئة المدرسية.
أولاً: التأصيل المفاهيمي والتجليات الواقعية
يُقصد بالنفاق التربوي التناقض بين ما يُمليه المربي من قيم ومبادئ، وبين ما يصدر عنه من سلوك فعلي.
لاتنهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مِثْلَهُ… عارٌ عليكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ
فالطفل والمراهق يمتلكان قدرة عالية على الملاحظة والتحليل، ويكتسبان القيم عبر “التعلم بالنمذجة” أكثر من اكتسابها عبر التلقين المباشر.
وتتعدد تجليات هذه الظاهرة في ممارساتنا اليومية: حث الأبناء على الصدق مع توجيههم للكذب لتبرير موقف، والمطالبة باحترام المعلم مع انتقاص قدره أمامهم، والدعوة إلى ترشيد استخدام الأجهزة الذكية مع قضاء المربي ساعات طويلة عليها، والتأكيد على أهمية الصلاة مع التهاون في أدائها بحجة الانشغال. هذه الازدواجية ترسل رسالة ضمنية مفادها أن القيم خطاب نظري قابل للتعطيل عند المصلحة.
ثانياً: الشواهد البحثية من الواقع السعودي
لم تعد هذه الظاهرة ملاحظة عابرة، بل تناولتها دراسات تربوية محلية. فقد كشفت دراسة ميدانية أجراها د. عبدالله بن سعد آل معدي في جامعة الملك سعود بعنوان “التناقض القيمي لدى عينة من طلاب المرحلة المتوسطة وعلاقته بأساليب المعاملة الوالدية” أن *67% من الطلاب الذين يمارسون سلوكيات سلبية مثل الكذب أو التهرب من المسؤولية لديهم آباء يمارسون نفس السلوك أمامهم بشكل متكرر .

كما أكدت دراسة أخرى منشورة في مجلة العلوم التربوية بجامعة الإمام محمد بن سعود أن “القدوة غير المتسقة” تعد من أقوى أسباب ضعف فاعلية التوجيه المدرسي، حيث أفاد 71% من المعلمين المشاركين أن الطلاب يحتجون بتناقض أقوال بعض المعلمين مع أفعالهم كمبرر لمخالفة التعليمات*. هذه النتائج تؤكد أن النشء لا يفصل بين مصدر القيمة والسلوك المشاهد، بل يحاكم القيمة من خلال سلوك حاملها.
ثالثاً: الآثار التربوية والمجتمعية
إن استمرار النفاق التربوي ينتج ثلاثة أنماط من التشوه القيمي:
1. فقدان المصداقية التربوية : حين يكتشف الطالب التناقض، تسقط هيبة المربي وتتحول توجيهاته إلى مجرد “ضوضاء” يسهل تجاهلها.
2. نشوء الشخصية الازدواجية : يتعلم الناشئ أن يُظهر الالتزام أمام السلطة ويمارس نقيضه في غيابها، وهو ما يهدد منظومة النزاهة ومكافحة الفساد على المدى البعيد.
3. اضطراب المعيار الأخلاقي : تتحول القيم من مطلقات إلى “وجهات نظر” نسبية، فيفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية التي تُعد أساس التماسك الاجتماعي وأحد مستهدفات رؤية 2030 في محور “مجتمع حيوي”.
رابعاً: نحو معالجة جادة تبدأ بالقدوة
إن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية تكاملية تتطلب ما يلي:
1. البدء بإصلاح الذات : قاعدة “أصلح نفسك وادع غيرك” هي المدخل الأول. فلا يستقيم أن ننهى عن خلق ونأتي مثله. الاعتراف بالخطأ أمام الأبناء فضيلة تربوية تعلّمهم أن القيمة أسمى من الأشخاص.
2. توحيد الخطاب التربوي بين البيت والمدرسة : لا بد من شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة تضمن اتساق الرسائل الموجهة للطالب. فلا يُعقل أن تهدم الأسرة في المساء ما تبنيه المدرسة في الصباح، والعكس صحيح.
3. تفعيل “التربية الصامتة”: إن 70% من سلوك الطفل مكتسب من مشاهدته لوالديه ومعلميه في مواقف الحياة الطبيعية: في قيادة السيارة، في احترام الدور، في التعامل مع العمالة، في إدارة الغضب. هذه هي المناهج الخفية الأكثر تأثيراً.
4. التدريب النوعي للمعلمين والآباء على برامج إعداد المعلم وبرامج إرشاد أولياء الأمور أن تتضمن محوراً رئيساً عن “اتساق القدوة” ومهارات المواءمة بين القناعات والسلوك.
إن الأمم لا تنهض بكثرة المواعظ، بل بصدق الوعاظ. والمجتمع الذي يسعى لتحقيق التنمية الشاملة لا يمكنه أن يتغافل عن بناء الإنسان المتسق مع ذاته. إن أبناءنا لا يحتاجون خطباً رنانة بقدر حاجتهم إلى نماذج صادقة يرون فيها القيمة سلوكاً معاشاً.
إن معالجة النفاق التربوي ليست خياراً، بل ضرورة وطنية وتربوية لإعداد جيل سوي، يمتلك مناعة ذاتية ضد الازدواجية، وقادر على حمل أمانة الوطن بصدق، اتساقاً مع قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.

سعود شباب العتيبي

 

سعود شباب العتيبي

أديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى