التآكل الصامت
التآكل الصامت
—————–
هناك أشياء في الحياة لا تأتي على هيئة عواصف،
لا تُحدث ضجيجًا، ولا تطرق الأبواب بعنف،
بل تتسلل… بهدوءٍ شديد، حتى لا ننتبه.
التآكل الصامت ليس حدثًا مفاجئًا،
بل رحلة بطيئة من الانطفاء،
تبدأ من تفاصيل صغيرة جدًا،
قد لا نلقي لها بالًا… لكنها مع الوقت، تبتلع كل شيء.
هو ذاك الشعور الذي يتسلل إلى العلاقة دون أن يُرى،
حين يقلّ الاهتمام،
ويبهت الشغف،
وتتحول الكلمات من دفءٍ إلى واجب.
هو ذلك الصمت الذي يطول بين الأصدقاء،
حتى يصبح الغياب عادة،
ويصبح السؤال ثقيلًا،
ويصبح اللقاء مؤجلاً… إلى أجلٍ غير معلوم.
أما في التربية فالتآكل الصامت يكون
حين يعتاد الطفل على تجاهل مشاعره،
أو يسمع النقد أكثر مما يسمع القبول،
فينمو من الخارج…
لكن شيئًا في داخله يتآكل كل يوم
أما في بيئة العمل يكون للتآكل الصامت صورة مغايرة
حين يتحول الشغف إلى روتين،
والإنجاز إلى مجرد التزام،
ويصبح الحضور جسديًا فقط…
بينما الروح غادرت منذ زمن.
الأخطر في هذا التآكل…
أنه لا يعلن نفسه،
لا يصرخ،
لا يطلب النجدة.
بل يجعلك تعتاد عليه،
حتى تظن أن هذا هو “الوضع الطبيعي”.
تستيقظ يومًا،
فتجد أن العلاقة انتهت دون خلاف،
وأن الحلم انطفأ دون فشل،
وأنك لم تعد الشخص الذي كنت عليه…
دون أن تعرف متى بدأ كل ذلك.
التآكل الصامت لا يُرى في البدايات،
لكنه يُكتشف في النهايات.
ولذلك…
فإن أخطر ما يمكن أن نغفله في حياتنا،
ليس الصدمات الكبيرة،
بل الإهمال الصغير المتكرر.
كلمة لم تُقل،
اهتمام لم يُمنح،
اعتذار تم تأجيله،
وشعور تم تجاهله.
كلها أشياء تبدو بسيطة،
لكنها تعمل في الخفاء…
كقطرات ماءٍ تنحت صخرًا صلبًا.
كيف ننجو منه؟
ننجو حين ننتبه مبكرًا،
حين نعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة،
حين نقول “أهتم بك” قبل أن يصبح الصمت عادة،
وحين نُصلح ما يمكن إصلاحه… قبل أن يصبح مستحيلاً.
ننجو حين نصارح،
ونقترب،
ونُعيد الحياة لما ذبل منها
وآخر المطاف :
ليس كل ما ينهار يحدث ضجيجًا،
فبعض الخسارات… تبدأ همسًا.
فانتبه لما يتآكل في حياتك بصمت،
فقد لا يمنحك فرصة ثانية حين يُنهي مهمته.
حين ينهار كل شيء دون صوت فذلكم التآكل يا سادة .
همسة من الأفق البعيد :
” كُن بَلسَماً إِن صارَ دَهرُكَ أَرقَما
وَحَلاوَةً إِن صارَ غَيرُكَ عَلقَما
إِنَّ الحَياةَ حَبَتكَ كُلَّ كُنوزِها
لا تَبخَلَنَّ عَلى الحَياةِ بِبَعضِ ما. ”
سعود شباب العتيبي


