*حصيلة سبعة وأربعين عاما .*

*حصيلة سبعة وأربعين عاما .*
*قراءة في النتائج .*
*حين أطلق النظام الإيراني المقيت صواريخه باتجاه دولة الكويت و مملكة البحرين فجر اليوم، كان مشهد آخر أقل صخبا وأكثر دلالة يتشكل داخل إيران نفسها.*
*( الدولار الذي كان يعادل نحو 76 ريالا إيرانيا عام 1979 تجاوز اليوم حاجز 1,800,000 ريال ).*
*( وبين الرقمين تختبئ قصة سبعة وأربعين عاما من الفرص الضائعة والصراعات الممتدة والنتائج التي لا يمكن للأرقام إخفاؤها )*.
*ولا تمثل هذه المقارنة مجرد تغير في سعر صرف عملة وطنية، بل تقدم قراءة مكثفة لمسار سياسي واقتصادي امتد لما يقارب نصف قرن. فالعملات لا تكتب التاريخ، لكنها كثيرا ما تكشف نتائجه. وكلما اتسعت الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة، انعكس ذلك بصورة مباشرة على قيمة العملة ومستوى المعيشة وثقة الأسواق.*
*وتزداد دلالة هذه الأرقام عندما نتذكر أن إيران تمتلك واحدا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وتتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي استثنائي، وقاعدة سكانية كبيرة، وموارد بشرية وعلمية كان يمكن أن تجعلها إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا والشرق الأوسط.*
*غير أن الواقع الحالي يرسم صورة مختلفة. فالتقديرات الدولية تشير إلى ( أكثر من 100 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة ) خارج البلاد، بينما يواجه الاقتصاد الإيراني معدلات تضخم مرتفعة وضغوطا متواصلة على الاستثمار والتجارة والقطاع المالي، في وقت تتراجع فيه القوة الشرائية للمواطن الإيراني عاما بعد عام.*
*ومن هنا تبدو هجمات فجر اليوم على الكويت والبحرين جزءا من مشهد أكبر يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فاستهداف دولتين خليجيتين شقيقتين لا يغير من حقائق الاقتصاد الإيراني شيئا، ولا يحرر دولارا واحدا من الأموال المجمدة، ولا يعيد الثقة إلى الأسواق، ولا يوقف تراجع العملة الوطنية.*
*وجاءت هذه الهجمات في توقيت تواجه فيه طهران واحدة من أعقد معادلاتها منذ عقود؛ ضغوط اقتصادية متراكمة في الداخل، وضغوط سياسية وأمنية متصاعدة في الخارج. كما ما زالت تواجه استحقاقات معقدة تتعلق بالعقوبات الدولية ومستقبل برنامجها النووي وعلاقاتها مع المجتمع الدولي، وحاجتها المتزايدة إلى استعادة التدفقات الاستثمارية والمالية التي يحتاجها الاقتصاد الإيراني بصورة ملحة.*
*وتكشف التجربة أن الدول تستطيع إدارة الأزمات سنوات طويلة، لكنها لا تستطيع تجاهل نتائجها إلى الأبد. فالصواريخ قادرة على عبور الحدود خلال دقائق، أما معالجة آثار التضخم وتراجع العملة وهروب الاستثمارات فتحتاج سنوات طويلة من الاستقرار والثقة والإصلاح.*
*ولعل أقسى ما تكشفه هذه الأرقام أن المشكلة لم تكن يوما في نقص الموارد. فإيران تمتلك النفط والغاز والمعادن والموقع الجغرافي والسوق البشرية الواسعة.*
*( الفارق بين 76 و1,800,000 لا تفسره الجغرافيا بل تفسره الخيارات ).*
*فالأمم لا تصبح غنية بما تملكه من ثروات، بل بما تحسن إدارته من تلك الثروات.*
*ولهذا يبدو أن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتعلق بعدد الصواريخ التي أطلقت فجر اليوم، بل بعدد ( الفرص التي ضاعت خلال سبعة وأربعين عاما ). فالأمم لا تقاس بما تستطيع تدميره، بل بما تستطيع بناءه. ولا يقاس نجاح الدول بحجم الأزمات التي تخلقها، بل بحجم الازدهار الذي توفره لشعوبها.*
*وقد تستطيع القوة العسكرية فرض وقائع مؤقتة، لكن التنمية وحدها هي التي تصنع الاستقرار الدائم. وقد تستطيع الأيديولوجيات تعبئة الجماهير لفترات طويلة، لكن الاقتصاد يبقى في النهاية الحكم الأكثر صرامة بين جميع الأحكام.*
*وبعد سبعة وأربعين عاما من الصراع مع محيطها الإقليمي وجزء كبير من المجتمع الدولي، تبدو إيران أمام حقيقة يصعب تجاوزها؛ فاستعادة الأموال المجمدة، وتحسين قيمة العملة، وخفض التضخم، وجذب الاستثمارات، ورفع مستوى المعيشة، كلها أهداف تمر عبر ( الاستقرار والانفتاح والتسويات السياسية ) أكثر مما تمر عبر التصعيد وإدارة الأزمات.*
*الحكمة أن الأمم لا تنهض بكثرة ما تخوضه من معارك، بل بكثرة ما تبنيه من فرص.*
*وأن السلطة التي تجعل ( الصراع مشروعها الدائم ) تجعل ( الازدهار مشروعها المؤجل ).*
*وأن التاريخ لا يسأل بعد عقود كم صاروخا أطلق، بل يسأل ماذا بقي للشعب، وماذا بقي للجيران، وماذا بقي للعالم من أثر تلك السياسات الهجومية العقيمة .*
