كُتاب الرأي

*لماذا العدوان؟*

*لماذا العدوان؟*

*رؤية تحليلية استراتيجية*

*الاثنين الموافق (20) يوليو 2026م*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية.

تفرض الحروب على المحللين سؤالين مختلفين؛ الأول: ماذا جرى؟ والثاني: لماذا جرى؟ والإجابة عن السؤال الأول تصف الوقائع، أما الإجابة عن الثاني فتكشف المنطق الذي حركها. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة الاعتداءات الغاشمة التي استهدفت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الحدث، بل تتجه إلى فهم الدوافع الاستراتيجية التي وقفت وراء توسيع نطاق المواجهة خارج أطرافها المباشرة، رغم أن هذه الدول لم تكن طرفا مباشرا أو غير مباشر في تلك الحرب، بل انطلقت مواقفها من الحرص على أمن المنطقة واستقرارها واحترام سيادة الدول.

حين تتعرض أي دولة أو نظام لضغوط متصاعدة، يصبح أمامه أكثر من خيار استراتيجي. فقد يقبل بخفض التصعيد، وقد يسعى إلى تعديل موازين التفاوض، وقد يختار توسيع مسرح الصراع أملا في تغيير حسابات خصومه. ويقوم هذا الخيار على افتراض أن انتقال آثار الحرب إلى محيط إقليمي أوسع سيرفع كلفة المواجهة، ويولد ضغوطا سياسية واقتصادية وأمنية تدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة النظر في مواقفها.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم السلوك الذي انتهجه النظام الإيراني بسياساته الهجومية السافرة *( المعروفة )* خلال هذه الأزمة. فالاعتداء على دول لم تكن طرفا في الحرب لا يبدو هدفا مستقلا بقدر ما يبدو أداة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية للصراع، عبر نقل جزء من الضغوط إلى محيطه الإقليمي، وإيصال رسالة بأن استمرار المواجهة لن يبقى محصورا بين أطرافها الأصليين.

غير أن التاريخ الاستراتيجي يكشف أن هذه المقاربة تنجح فقط إذا أدت إلى تفكيك مواقف الخصوم، أما إذا دفعتهم إلى مزيد من التماسك والتنسيق، فإنها تتحول إلى عبء على من تبناها. وهنا تكمن المفارقة؛ إذ أن الاعتداء والإرهاب على دول الجوار قد يوسع مساحة العمليات، لكنه قد يضيق في الوقت نفسه هامش المناورة السياسية، ويزيد من عزلة الطرف الذي بادر بالتصعيد والإرهاب ، ويرفع مستوى التعاون الأمني والدفاعي بين الدول المستهدفة وشركائها.

وتزداد خطورة هذا المسار عندما تمس الاعتداءات الممرات البحرية أو البنية الحيوية التي يرتبط بها الاقتصاد العالمي، لأن الأزمة عندئذ لم تعد شأنا إقليميا، بل أصبحت قضية دولية تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والاستقرار الاقتصادي. وعند هذه المرحلة، تتجاوز نتائج القرار العسكري حدود الحسابات التي انطلق منها، وتدخل في دائرة تفاعلات يصعب على أي طرف التحكم الكامل في مسارها.

ولا يمكن تجاهل أن جميع الأطراف تواجه قيودا مؤثرة تشمل الكلفة العسكرية، والضغوط الاقتصادية، والرأي العام، والاعتبارات الدبلوماسية، وهي عوامل تحد من حرية القرار، وتجعل استمرار التصعيد خيارا عالي الكلفة مهما بلغت القدرات العسكرية.

*الخلاصة الاستراتيجية* .

تدل المؤشرات على أن توسيع دائرة العدوان لن يحقق في واقع الأمر أي تأثير عملياتي ولو كان محدودا ، ولن يضمن في ذات الوقت و حينه تحقيق الأهداف والطموحات الاستراتيجية الخبيثة التي أنطلق من أجلها. فكلما اتسعت رقعة الاعتداء، اتسعت معها دائرة الرفض، وتعزز التنسيق بين الدول المتضررة، وازدادت أهمية العمل الجماعي لحماية أمن المنطقة واستقرارها. وهكذا تثبت التجارب أن القوة قد تغير مسار معركة، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير الحقائق السياسية أو إعادة صياغة الجغرافيا الاستراتيجية ما لم تقترن برؤية قادرة على إنتاج الاستقرار لا تعميق الصراع.

*و عليه ، فإن أخطر أخطاء الحسابات الاستراتيجية أن يظن صانع القرار أن اتساع الحرب يعني اتساع النفوذ، بينما تثبت التجارب أن النفوذ المستدام يبنى على الاستقرار، لا على العدوان.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.