كُتاب الرأي

*جماعة الحوثي الإرهابية*

*جماعة الحوثي الإرهابية*

*ذراع النظام الإيراني التي تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية*

*رؤية تحليلية استراتيجية*

*الثلاثاء الموافق (21) يوليو 2026م*

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد /  عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية

لم تعد جماعة الحوثي الإرهابية تمثل مجرد حركة مسلحة داخل اليمن، بل أصبحت إحدى أخطر أدوات المشروع الإيراني في المنطقة، بعد أن تجاوز نشاطها حدود الصراع الداخلي إلى تهديد أمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وحرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. وقد أكدت تهديداتها الأخيرة وما سبقها من اعتداءات أن قرارها العسكري لم يكن يوما مرتبطا بالمصلحة الوطنية اليمنية، وإنما هو جزء من إستراتيجية إقليمية أوسع تهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، واستخدام القوة المسلحة الإرهابية وسيلة لفرض أجندة سياسية تخدم النظام الإيراني ولا تخدم اليمن وشعبه بطبيعة الحال .

لقد أثبتت السنوات الماضية أن هذه الجماعة لا تتعامل مع السلام باعتباره خيارا وطنيا، بل تنظر إليه كمرحلة مؤقتة لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز قدراتها العسكرية قبل العودة إلى التصعيد. فمنذ انقلابها على الدولة اليمنية، توالت المبادرات والهدن والجهود الإقليمية والدولية، إلا أن الجماعة استمرت في انتهاج سياسة الخيانة و المراوغة والتسويف، ورفضت تنفيذ كثير من الالتزامات التي وافقت عليها، الأمر الذي جعل الاتفاقات بالنسبة إليها وسيلة لكسب الوقت أكثر من كونها التزاما سياسيا يفضي إلى إنهاء الصراع.

وفي المقابل، انتهجت المملكة العربية السعودية سياسة اتسمت بالحكمة وضبط النفس، فدعمت الحكومة اليمنية الشرعية، وقدمت المساعدات الإنسانية والتنموية للشعب اليمني الشقيق ، وأيدت جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية الرامية إلى إنهاء الأزمة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن أمن اليمن واستقراره يمثلان جزءا لا يتجزأ من أمن الجزيرة العربية والمنطقة بأسرها. كما أكدت بيانات وزارة الخارجية السعودية ووكالة الأنباء السعودية مرارا أن المملكة تؤيد الحل السياسي الشامل، وترفض تحويل اليمن إلى منصة تهدد أمن جيرانه أو الملاحة الدولية.

غير أن جماعة الحوثي الإرهابية اختارت طريقا مختلفا، فواصلت تطوير قدراتها العسكرية عبر الدعم الإيراني المباشر وغير المباشر، واستمرت في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة والألغام البحرية، وهددت مرارا خطوط الملاحة الدولية، في محاولة لفرض واقع أمني جديد يمنحها نفوذا يفوق حجمها الحقيقي. كما كشفت عمليات ضبط شحنات الأسلحة وقرارات مجلس الأمن وتقارير دولية متعددة عن استمرار محاولات تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الجماعة، بما يؤكد أن قرارها الاستراتيجي لا ينفصل عن المشروع الإيراني الإرهابي في المنطقة.

وتبرز خطورة هذه الجماعة في أنها لا تستهدف خصومها العسكريين فقط، بل تستخدم الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية أدوات للضغط السياسي. فكل تهديد لباب المندب أو البحر الأحمر لا ينعكس على المملكة وحدها، وإنما يطال حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، وهو ما جعل المجتمع الدولي ينظر إلى الاعتداءات الحوثية باعتبارها تهديدا للأمن البحري الدولي، وليس مجرد تطور في نزاع محلي.

كما أن الجماعة دأبت على توظيف الشعارات السياسية والدينية لتبرير مشروعها المسلح، بينما تشير الوقائع إلى أن المتضرر الأول من سياساتها هو الشعب اليمني نفسه. فقد أدى استمرار الحرب والانقلاب إلى تدهور الاقتصاد، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية، وإضعاف فرص التنمية، في وقت كان اليمن أحوج ما يكون إلى الاستقرار وإعادة البناء.

وتؤكد التجربة أن المشروع الحوثي لا يقوم على بناء الدولة، بل على تكريس سلطة السلاح والإرهاب ، ولذلك فإن استمرار امتلاك الجماعة لترسانة عسكرية خارج إطار مؤسسات الدولة يمثل العقبة الأكبر أمام أي تسوية سياسية مستدامة. فلا يمكن لدولة مستقرة أن تقوم في ظل وجود تنظيم مسلح يحتكر قرار الحرب والسلم، ويتلقى الدعم والتوجيه من خارج حدودها.

وقد جسد المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن اللواء الطيار الركن / تركي المالكي ثبات الموقف العسكري للتحالف عندما أكد أن أي اعتداء إرهابي يستهدف المملكة العربية السعودية أو المدنيين أو المنشآت الحيوية سيواجه برد حازم ورادع، وبالقوة الكافية التي تكفل إزالة مصدر التهديد وحماية أمن المملكة واستقرار المنطقة. ولم يكن ذلك مجرد تصريح عسكري، بل رسالة استراتيجية تؤكد أن المملكة تمد يدها للسلام متى التزم به الآخرون، لكنها تمتلك في الوقت نفسه القدرة والإرادة لحماية سيادتها ومصالحها الوطنية، وأن الردع يبقى الضمان الحقيقي عندما تفشل لغة السياسة.

وقد أثبتت المملكة العربية السعودية، قيادة وقوات مسلحة، أن الردع ليس مجرد إعلان سياسي، بل قدرة عسكرية متكاملة تستند إلى جاهزية قتالية عالية، ومنظومات دفاعية وهجومية متطورة، وخبرات عملياتية متراكمة، وقيادة تتخذ القرار في الوقت المناسب. ومن ثم فإن أي اعتداء آثم جديد من جماعة الحوثي الإرهابية لن يغير معادلات الأمن في المنطقة، بل سيمنح المملكة المشروعية الكاملة لاتخاذ ما تراه من إجراءات عسكرية رادعة تكفل تحييد مصادر التهديد وحماية أمنها الوطني والدفاع عن مواطنيها والمقيمين ومنشآتها الحيوية، بما يحفظ استقرار المنطقة وأمن الملاحة الدولية.

لقد أثبتت المملكة طوال سنوات الأزمة أنها لا تبحث عن الحرب، وإنما عن استقرار دائم يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما جعلها تحظى بتقدير واسع لدورها في دعم الحلول السياسية والعمل الإنساني. إلا أن التجارب أثبتت أيضا أن الجماعات الإرهابية المرتبطة بالمشاريع الخارجية لا تستجيب غالبا إلا عندما تدرك أن كلفة العدوان ستكون أعلى من أي مكاسب تتوهم تحقيقها.

إن أمن البحر الأحمر وباب المندب لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح جزءا من الأمن الاقتصادي العالمي، ومن ثم فإن مواجهة التهديدات الحوثية الإرهابية تتطلب استمرار التعاون بين دول المنطقة وشركائها الدوليين، وتعزيز القدرات الدفاعية والاستخبارية، ومنع تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية، حتى تستعيد اليمن دورها الطبيعي دولة عربية مستقلة بعيدة عن الهيمنة الخارجية.

*الخلاصة الاستراتيجية*

*تكشف التجربة الممتدة مع جماعة الحوثي الإرهابية أن هذه الجماعة لم تتعامل مع المبادرات السياسية والهدن والاتفاقات بوصفها طريقا لإنهاء الصراع، وإنما اتخذتها وسيلة لإعادة بناء قدراتها العسكرية واستئناف التصعيد متى ما تهيأت الظروف. كما تؤكد الوقائع أن ارتباطها العضوي بالنظام الإيراني جعل قرارها العسكري جزءا من مشروع إقليمي يستهدف زعزعة أمن المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. ومن هذا المنطلق، فإن الرؤية السعودية الثابتة، كما عكستها مواقف القيادة وبيانات وزارة الخارجية ووكالة الأنباء السعودية، تقوم على أن السلام هو الخيار الاستراتيجي الأول، وأن دعم الدولة اليمنية الشرعية والحل السياسي سيظل المسار المفضل، غير أن هذا الخيار لا يكون أبدا على حساب أمن المملكة أو سيادتها أو أمن المنطقة. وقد أثبتت المملكة أن يدها ممدودة للسلام، لكنها في الوقت ذاته تمتلك من القوة والجاهزية والإرادة ما يجعل أي اعتداء آثم وغاشم مغامرة خاسرة قبل أن تبدأ .*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.