*الحرب الامريكية ضد النظام الإيراني وانعكاساتها على أمن الخليج العربي / 2*

*الحرب الامريكية ضد النظام الإيراني وانعكاساتها على أمن الخليج العربي / 2*
*الجزء الثاني*
*رؤية استراتيجية*
*الاثنين الموافق (20) يوليو 2026م*
*رابعا: التهديدات البحرية*
يكتسب هذا التصعيد بعدا أكثر خطورة مع إعلان جماعة الحوثي توسيع عملياتها البحرية، وتهديدها بمحاولة تعطيل الملاحة الدولية في باب المندب واستهداف السفن المرتبطة بالمصالح السعودية، في امتداد واضح للسياسات العدائية التي ينتهجها النظام الإيراني عبر التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به. ورغم أن هذه التهديدات لا تغير موازين القوة العسكرية، فإنها ترفع مستوى المخاطر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وتهدد أمن البحر الأحمر والخليج العربي، وتزيد كلفة النقل والتأمين، وتعرض سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة لمزيد من الضغوط، الأمر الذي يستوجب موقفا إقليميا ودوليا أكثر حزما لحماية حرية الملاحة، ومنع تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للابتزاز السياسي أو العسكري، وتجفيف مصادر التهديد التي تغذيها سياسات النظام الإيراني في المنطقة.
*خامسا: الانعكاسات على أمن الخليج العربي*
أثبتت المملكة العربية السعودية خلال هذه الأزمة قدرتها على الجمع بين الحزم في حماية أمنها الوطني والحكمة في إدارة الموقف الاستراتيجي، من خلال المحافظة على أعلى درجات الجاهزية الدفاعية، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة لا تخدم أمن المنطقة ولا الاقتصاد العالمي. كما برهنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي على أهمية التنسيق السياسي والعسكري والأمني في مواجهة التهديدات المشتركة، الأمر الذي يعزز من قدرة المنظومة الخليجية على حماية أمنها الجماعي وصون مصالحها الاستراتيجية.
وتفرض المرحلة الراهنة مواصلة تطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتعزيز الأمن البحري، ورفع مستوى التكامل الاستخباري، وتأمين المنشآت الحيوية ومراكز الاتصالات والموانئ والمطارات والبنية التحتية للطاقة، إلى جانب توسيع الشراكات الدفاعية مع الدول الشقيقة والصديقة، بما يسهم في تعزيز الردع، وحماية أمن الخليج العربي، وضمان حرية الملاحة الدولية.
*سادسا: السيناريوهات المحتملة*
تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل الأول في استمرار الضربات العسكرية المتبادلة ضمن سقف يمنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة، مع استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية على جميع الأطراف. أما السيناريو الثاني فيتمثل في التوصل إلى تهدئة مؤقتة تفرضها الكلفة العسكرية والاقتصادية، لكنها لن تحقق استقرارا دائما إذا أتاحت للنظام الإيراني والتنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به إعادة تنظيم قدراتها واستئناف سياساتها العدائية. ويبقى السيناريو الثالث، وهو الأخطر، متمثلا في اتساع نطاق الحرب نتيجة استمرار الاعتداءات على دول المنطقة أو الممرات البحرية الدولية، بما قد يؤدي إلى انخراط أطراف إضافية، وارتفاع مستويات المخاطر على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
*الخلاصة الاستراتيجية*
*تشير مجمل المعطيات إلى أن ميزان القوة العسكرية يميل بصورة حاسمة إلى الولايات المتحدة من حيث التفوق الجوي والبحري والاستخباري والتقني، إلا أن مسار الحرب لن تحدده القدرات العسكرية وحدها، بل ستؤثر فيه أيضا القيود السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي تواجه جميع الأطراف، وفي مقدمتها كلفة العمليات، والرأي العام، وتماسك التحالفات، والضغوط الاقتصادية، واحتمالات اتساع نطاق الصراع. وفي المقابل، ما زال النظام الإيراني يمتلك القدرة على إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها عبر التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به، وتهديد الممرات البحرية، واستهداف الدول المجاورة، ومحاولة توسيع مسرح العمليات لتعويض اختلال ميزان القوة التقليدي. ومن ثم، فإن التحدي الاستراتيجي الحقيقي لا يتمثل في إنهاء المواجهة العسكرية الراهنة فحسب، بل في منع النظام الإيراني والتنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود المرتبطة به من إعادة بناء قدراتها أو إعادة إنتاج مصادر التهديد مستقبلا، مع المحافظة على أعلى مستويات الجاهزية الدفاعية والأمنية بقيادة المملكة العربية السعودية لحماية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي والمملكة الأردنية الهاشمية، وتأمين الخليج العربي والبحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة العالمية. كما أن النجاح الاستراتيجي لا يقاس بعدد الأهداف التي يتم تدميرها، بل بقدرة الاستراتيجية على تحقيق أمن مستدام يمنع عودة التهديد، ويرسخ الاستقرار الإقليمي، ويحفظ المصالح الدولية على المدى البعيد .*
كاتب رأي
