كُتاب الرأي

من كييف إلى طهران

من كييف إلى طهران

ساحتا الاستنزاف بين القطبين

عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

يخطئ من يقرأ الحرب الروسية-الأوكرانية والمواجهة الإيرانية-الأمريكية بوصفهما حدثين منفصلين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات وتباين السياقات الإقليمية. فالقراءة الاستراتيجية المتأنية لمسار الصراعين، وتزامن تصعيدهما وتهدئتهما، وتماهي أطرافهما الفاعلة، تكشف أننا أمام بنية صراع واحدة ذات جبهتين، تتنازع فيها منظومة “الغرب الجماعي” بقيادة واشنطن مع كتلة أوراسية صاعدة يختصرها الأدب الاستراتيجي المعاصر في الحروف الأربعة “CRINK” (الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية)، وهي كتلة لا تجمعها معاهدة دفاع مشترك بالمعنى التقليدي، لكنها تتقاسم هدفاً استراتيجياً واحداً: تفكيك الأحادية القطبية الأمريكية عبر استنزافها في جبهات متعددة ومتزامنة، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها.
وما يمنح هذه الأطروحة صلابتها التحليلية ليس التنظير المجرد، بل شواهد الواقع ذاته. فحين اندلعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير الماضي، انقطع فوراً المسار التفاوضي الأمريكي-الروسي حول أوكرانيا الذي كان قد بدأ يتشكل، ولم يستأنف إلا بمبادرات روسية لاحقة، في دلالة واضحة على أن الملفين يجريان في وعاء تفاوضي واحد، وأن ما يُصرف في جبهة يُخصم حكماً من رصيد الجبهة الأخرى.
الحرب بالوكالة في طورها الجديد
شهد مفهوم “الحرب بالوكالة” تحولاً نوعياً في العقد الأخير. فلم يعد الأمر مقتصراً على تسليح أطراف محلية وتمويلها كما كان في حقبة الحرب الباردة، بل تطور إلى ما يمكن تسميته “الاستنزاف المنظم عبر الشركاء”: منظومة دعم استراتيجي متكاملة تشمل صور الأقمار الاصطناعية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية في الزمن الحقيقي، ونقل تقنيات الصواريخ والمسيّرات، والإسناد الاقتصادي عبر شبكات الالتفاف على العقوبات.
فصمود طهران أمام أشهر من الضربات الأمريكية المتواصلة لا يفسَّر بالصلابة الإيرانية الذاتية وحدها، على أهميتها، بل يشير أيضاً إلى عمق التنسيق مع موسكو وبكين. فقدرة إيران على التكيف مع منظومات الدفاع الأمريكية عبر صواريخ مناوِرة عالية السرعة، وتوسيع بنك أهدافها ليطال قواعد ومنشآت في سبع دول بالمنطقة، وإيقاعها خسائر بشرية مباشرة في صفوف القوات الأمريكية، كلها مؤشرات على منحنى تعلم عسكري يصعب تصور تسارعه بهذا الشكل دون إسناد تقني واستخباراتي خارجي.
غير أن المفارقة الاستراتيجية الكبرى تكمن في السقف المحسوب لهذا الدعم. فروسيا، المنهكة في جبهتها الأوكرانية باقتصاد يقف على حافة الركود وخسائر تراكمية تقدر بمئات المليارات، لا تملك ترف فتح جبهة ثانية. والصين، التي يظل نموها الاقتصادي رهيناً بسلامة سلاسل التوريد وأمن الطاقة القادمة من الخليج، تدرك أن انخراطها المباشر يعني حرباً تجارية وعسكرية شاملة مع واشنطن لا تريدها ولا تحتاجها، وهي القادرة على جني ثمار الاستنزاف الأمريكي دون أن تدفع كلفته. ومن هنا يتحدد الطابع الوظيفي للدعم الروسي-الصيني لإيران: إنه دعم استنزافي لا حاسم، يهدف إلى إطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها على واشنطن، لا إلى تمكين طهران من نصر عسكري ناجز قد يقلب الطاولة على الجميع.
والحقيقة أن هذا المنطق يعمل في الاتجاهين. فواشنطن نفسها تدير حربها ضد إيران بمنطق مماثل من الضبط المحسوب:
ضربات جوية مكثفة دون حملة برية يستبعدها الرئيس الأمريكي صراحة،
وإبعاد متعمد لإسرائيل عن جولة القتال الحالية تجنباً لتوسيع رقعة الحرب، واستجابة — ولو جزئية — لوساطات إقليمية وضغوط خليجية.
إننا إذن أمام حرب يُراد لها أن تبقى دون عتبة الانفجار الشامل، لكن دون أن تنطفئ.
يطرح المشهد الراهن سؤالاً مركزياً:
هل تنتهي الحربان معاً في صفقة كبرى واحدة، أم تفترق مساراتهما؟
تشير المعطيات إلى إجابة مركبة: الترابط في التوقيت والمنطق، والافتراق في الشكل والمآل.
فمن جهة الترابط، تجلس الأطراف الكبرى ذاتها — واشنطن وموسكو وبكين — على طاولتي التفاوض في الملفين، وتتبادل الأوراق بينهما.
فأي تقدم في مسار أوكرانيا يحرر قدرات أمريكية للضغط على طهران،
وأي صفقة نووية مع إيران تعيد رسم حسابات موسكو في كييف، إذ تفقد روسيا ورقة “الجبهة الثانية” التي تستنزف الانتباه والموارد الأمريكية.
وقد رأينا كيف قطعت واشنطن محادثاتها مع موسكو فور اندلاع حربها على إيران، وكيف بادر الكرملين — لا العكس — إلى إعادة فتح قنوات الاتصال، مدركاً أن انشغال أمريكا في الخليج فرصة تفاوضية لا ينبغي تبديدها.
ومن جهة الافتراق، فإن الطبيعة البنيوية المختلفة للصراعين ترجح مسارين متمايزين للحل.
فالحرب الأوكرانية حرب أراضٍ تقليدية بخطوط تماس شبه ثابتة، جوهر الخلاف فيها السيادة والحدود وتوسع الناتو شرقاً،
وهو ما يجعل نموذج “الهدنة المسلحة” على الطراز الكوري مآلها الأرجح:
  • وقف إطلاق نار على خط التماس،
  • وترتيبات أمنية أوكرانية-غربية دون عضوية كاملة في الناتو،
  • وتفاهم ضمني على وقف تمدد الحلف شرقاً؛
صيغة تتيح لكل طرف ادعاء النصر، فكييف تحفظ سيادتها ومسارها الأوروبي، وموسكو تعلن إفشال “مشروع الهزيمة الاستراتيجية” لروسيا.
أما المواجهة الإيرانية-الأمريكية فمواجهة جوية-بحرية حول الردع والنفوذ والملف النووي وحرية الملاحة،
لا تُحل بترسيم خطوط بل بصفقة شاملة متعددة السلال. والتجربة القريبة تنذر بصعوبة هذا المسار؛
فمذكرة التفاهم التي وُقعت بين واشنطن وطهران بوساطة إقليمية، ومنحت الطرفين نافذة ستين يوماً لاتفاق نهائي، انهارت عملياً خلال أسابيع تحت وطأة الخلاف على مضيق هرمز، حتى وصفتها مراكز التفكير الغربية بأنها “سلام لم يكن سلاماً”.
والسبب البنيوي في ذلك أن الصفقة الإيرانية المطلوبة لا تعالج ملفاً واحداً بل سلة ملفات متشابكة —
  • التخصيب،
  • والتفتيش،
  • والصواريخ الباليستية،
  • وشبكة الوكلاء،
  • وأمن الملاحة،
  • والعقوبات —
وكل ملف منها كان يكفي وحده لإفشال عقود من الدبلوماسية.
ومن هنا يُرجَّح تباعد زمني بين حل الجبهتين رغم ترابطهما الاستراتيجي:
هدنة أوكرانية قد تسبق، تليها مفاوضات إيرانية مديدة تتخللها جولات تصعيد.
الرعب النووي التكتيكي وتشريح الكوابح الخمسة :
مع بلوغ كلفة الحرب الأوكرانية ما يقارب مائة وعشرين مليار دولار سنوياً، وكلفة العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط ما يناهز تسعمائة مليون دولار يومياً، يفرض سؤالٌ نفسه على العقل الاستراتيجي:
لماذا لم تلجأ القوى العظمى إلى السلاح النووي التكتيكي لحسم هذا الجمود الباهظ؟
إن الإجابة لا تكمن في فضيلة أخلاقية مزعومة لدى صناع القرار، بل في منظومة كوابح موضوعية خمسة تجعل الاستخدام النووي خياراً خاسراً بكل المقاييس.
  • أول هذه الكوابح :هو الفيتو الصيني؛
فبكين، الشريك الاقتصادي الأكبر لموسكو وشريان حياتها المالي في زمن العقوبات، أوصلت للكرملين ما يشبه الإنذار الصريح بأن أي تصعيد نووي يعني سحب الغطاء الصيني بالكامل، وهو فيتو نابع من مصلحة صينية صرفة، إذ يفجر الاستخدام النووي النظام الاقتصادي العالمي الذي تحتاج الصين استقراره لاستكمال صعودها.
  • وثانيها الارتداد الإشعاعي؛
فالجغرافيا نفسها تحاصر الخيار النووي، إذ إن استخدام سلاح تكتيكي في مسرح العمليات الأوكراني يعني تساقطاً ذرياً تحمله الرياح إلى الأراضي الروسية ذاتها وإلى مناطق يعتبرها الكرملين “أراضي روسية جديدة”، فيتحول السلاح إلى أداة تدمير ذاتي.
  • وثالثها انعدام الجدوى العسكرية؛
فالتجربة التاريخية والمحاكاة العسكرية الحديثة تؤكدان أن السلاح النووي التكتيكي عديم الفاعلية في جبهات ممتدة ومتحركة وقوات موزعة ومتخندقة، فهو سلاح صُمم لتدمير تجمعات مركزة، بينما حروب اليوم حروب انتشار وتشتت ومسيّرات، مما يجعل مردوده العسكري هزيلاً قياساً بكلفته السياسية الفلكية.
  • ورابعها عبء السابقة التاريخية؛
فواشنطن تدرك أن كسر “المحرّم النووي” القائم منذ هيروشيما وناغازاكي يجردها من شرعيتها الأخلاقية والقانونية أمام العالم، ويمنح موسكو وغيرها الذريعة المثالية للرد بالمثل، فتنهار عتبة الردع التي حمت البشرية ثمانية عقود.
  • وخامسها منزلق الحرب الشاملة؛
فكل نمذجات التصعيد تشير إلى استحالة احتواء ضربة نووية تكتيكية ضمن نطاقها الأولي، إذ تفرض على الطرف الآخر رداً تصعيدياً يستدعي رداً مضاداً، في حلزون صاعد ينتهي بمواجهة استراتيجية شاملة لا رابح فيها.
وهكذا يظل السلاح النووي حبيس دائرة الردع لا دائرة الاستخدام، ويظل استحضاره في الخطاب — لا في الميدان — أداة ضغط تفاوضي أكثر منه خياراً عملياتياً.
غير أن هذا الاطمئنان النظري لا ينبغي أن يحجب حقيقة مقلقة: فكلما طال أمد الاستنزاف وتضاءلت خيارات الأطراف التقليدية، ارتفع منسوب الإغراء بكسر القواعد، وأصبح الخطأ في الحساب — لا القرار المتعمد — هو البوابة الأرجح لأي كارثة نووية.
استشراف المستقبل: ثلاثة سيناريوهات
بناءً على المعطيات السابقة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة، متفاوتة الاحتمال والأثر.
  • السيناريو الأول،
وهو الأرجح، سيناريو التسوية المتدرجة غير المتزامنة: تتبلور هدنة أوكرانية على النموذج الكوري خلال العام المقبل، بضغط الإنهاك المتبادل واقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية، بينما يتواصل الملف الإيراني في نمط “التصعيد التفاوضي” — جولات قصف تتخللها وساطات — حتى تنضج صفقة شاملة تتقاطع فيها ثلاثة عوامل:
  1. إنهاك الاقتصاد الإيراني،
  2. وضغط أسواق النفط على واشنطن،
  3. ورغبة الطرفين في تثبيت مكاسبهما.
وأثر هذا السيناريو على المنطقة مزدوج:
استقرار نسبي في أسواق الطاقة على المدى المتوسط، مقابل ترسيخ إيران كقوة إقليمية معترف بها تفاوضياً،
وهو ما سيدفع دول الخليج إلى تسريع بناء قدرات ردع ذاتية، بما فيها القدرات النووية السلمية التي بدأت ملامحها تظهر في التفاهمات النووية الأمريكية-السعودية الأخيرة.
  • والسيناريو الثاني،
وهو احتمال معتبر، سيناريو الاستنزاف المفتوح: تفشل مساعي التسوية في الجبهتين معاً، فتتحول الحربان إلى “صراعين مجمدين ساخنين” يتأرجحان بين جولات تصعيد وفترات هدوء، على غرار ما يشهده مضيق هرمز اليوم. وهذا السيناريو هو الأكثر كلفة على منطقتنا تحديداً: اضطراب مزمن في الملاحة والطاقة، وتحول أراضي دول الجوار إلى ساحات اشتباك بالنيابة، واستنزاف موارد التنمية الخليجية في الإنفاق الدفاعي، وتأجيل المشاريع الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالاستقرار الإقليمي.
  • أما السيناريو الثالث،
وهو احتمال ضعيف لكنه غير مهمل، فهو الانفجار المنفلت:
  1. خطأ في الحساب — ضربة تصيب هدفاً استراتيجياً بالغ الحساسية،
  2. أو إغلاق كامل ومديد لمضيق هرمز يقفز بأسعار النفط فوق عتبة الانهيار الاقتصادي العالمي،
  3. أو انجرار إسرائيل المباشر إلى المواجهة — يفجر ديناميكية تصعيد يعجز الجميع عن ضبطها.
وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة الراهنة؛ إذ يرى البعض أن الأحداث بدأت تفلت من سيطرة الطرفين ، وأن هامش الخطأ الفاصل بين الاستنزاف المضبوط والانفجار الشامل يضيق يوماً بعد يوم.
وفي المحصلة، يبدو أن القوى العظمى قد استقرت — بوعي أو بحكم الضرورة — على نمط جديد من إدارة الصراع المتمثل في حرب باردة ساخنة الأطراف، تُخاض على أراضي الآخرين وبدماء الآخرين، ويُحرص فيها على بقاء المواجهة دون عتبة الاصطدام المباشر ودون الخط الأحمر النووي.
فالتكاليف الباهظة، التي كان يمكن أن تكون مبرراً للتهور، تحولت بفعل الكوابح الخمسة إلى دافع نحو حلول تفاوضية متدرجة تحفظ ماء وجه الجميع.
غير أن الدرس الأعمق لمنطقتنا العربية يتجاوز رصد السيناريوهات إلى استيعاب التحول البنيوي الجاري:
فالنظام الدولي ينتقل أمام أعيننا من الأحادية إلى التعددية القطبية،
لكن هذا الانتقال لا يجري عبر مؤتمرات سلام كبرى على غرار يالطا، بل عبر حروب اختبار حدود تُستخدم فيها أوكرانيا وإيران مسرحين لقياس موازين القوى الجديدة.
وفي عالم كهذا، لا تملك دول المنطقة ترف الاصطفاف خلف قطب واحد، ولا ترف الحياد السلبي؛
بل يصبح
  1. بناء القوة الذاتية — الاقتصادية والتقنية والدفاعية
  2. وتنويع الشراكات الاستراتيجية،
  3. وامتلاك أوراق تفاوضية مستقلة،
شرط البقاء الفاعل في نظام عالمي تظل كلمة السر فيه، لعقد قادم على الأقل: الاستنزاف لا الإنهاء.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 

كاتب رأي 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.