كُتاب الرأي
أسئلة الرياض ومستقبل الفلسفة السعودية

أسئلة الرياض ومستقبل الفلسفة السعودية
قراءةٌ في ورقة م/ عبد الله الرخيص
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
في زمنٍ تتهافت فيه الأممُ على امتلاكِ أدواتِ التقنيةِ وكأنّها غايةُ الوجود، ويُختزلُ فيه الإنسانُ أحياناً إلى بياناتٍ رقميةٍ تسبقُ هويتَه، يأتي مشروعُ “أسئلة الرياض” ليُذكّرَنا بأنَّ الحضارةَ لا تُبنى بالقدرةِ وحدها، بل بالحكمةِ التي توجّهُ تلك القدرةَ.
وليسَ من قبيلِ المصادفةِ أنْ يحتضنَ مؤتمرُ الرياضِ الدوليُّ للفلسفةِ في دورتهِ السادسةِ (2026) سؤالَ “الذكاءِ الاصطناعيّ وأخلاقِه”، فهو سؤالُ العصرِ بامتياز،
لكنّ الأعمقَ منه هو السؤالُ الذي طرحتهُ ورقةُ المهندس عبد الله بن إبراهيم الرخيص – الذي تشهدُ له سيرتُه الأكاديميةُ الدوليةُ بالثقلِ والرصانةِ – حينَ تساءلَ: كيفَ نمتلكُ أدواتِ المستقبلِ من غيرِ أنْ نفقدَ هويتَنا، وقيمَنا، وإنسانيتَنا؟
إنَّ ما قدّمهُ م/ عبدالله الرخيصُ في هذه الورقةِ الموسومةِ بـ “أسئلة الرياض: نحو أفق سعودي لصناعة العقل الفلسفي الناقد والقيمي”، ليسَ مجردَ قراءةٍ في وثائقِ أخلاقياتِ الذكاءِ الاصطناعيّ، بل هو مشروعٌ تأسيسيٌّ لفلسفةٍ سعوديّةٍ إسلاميّةٍ معاصرة، تستلهمُ تراثَها، وتنفتحُ على العالمِ، وتنطلقُ من واقعِها الحيِّ المتغيّر.
وسأحاولُ في هذه العجالةِ أنْ أُلخِّصَ جوهرَ هذه الورقةِ، ثم أُعقِّبَ عليها بما يليقُ بعمقِها وأصالتِها، من منظوري كأكاديميٍّ عاشَ تجربةَ التعليمِ والبحثِ في جامعةِ الملكِ عبدالعزيز، واطّلعَ عن كثبٍ على تحوّلاتِ المشهدِ الثقافيِّ والفكريّ في بلادِنا.
أولاً: تلخيصُ الورقةِ في نقاطٍ جوهريةٍ:
تنطلقُ الورقةُ من حقيقةٍ محوريةٍ، هي أنَّ وثائقَ أخلاقياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ الصادرةَ عن المنظماتِ الدوليةِ (كاليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي) وإنْ حملتْ طابعاً كونيّاً ظاهريّاً، فإنَّ جذورَها الفلسفيةَ تنتمي إلى السياقِ الغربيِّ الحديثِ ممّا يُحدِثُ فجوةً مع المجتمعاتِ الأخرى التي تمتلكُ تصوّراتٍ مغايرةً للإنسانِ والخيرِ والعدل.
ولذلك، تطرحُ الورقةُ سبعةَ أسئلةٍ محوريةٍ، تتناولُ:
- مدى كونيةِ هذه المبادئ،
- ومضامينَها الفلسفيةَ الخفيّة،
- وإمكانيةِ صياغةِ أفقٍ عربيٍّ إسلاميٍّ معاصرٍ لها،
- وحدودِ استخدامِ الذكاءِ الاصطناعيّ في البحثِ العلميِّ،
- وحقِّ السترِ بعدَ الموتِ،
- ومخاطرِ التحيزِ الخوارزميّ،
- والضوابطِ الأخلاقيةِ للتنبؤِ الطبيّ.
وتُقدّمُ الورقةُ إجابةً طموحةً عن هذه الأسئلة، لا بالاكتفاءِ بترجمةِ المصطلحات، بل بتأسيسِ رؤيةٍ متكاملةٍ تنطلقُ من مفاهيمَ إسلاميةٍ راسخةٍ، مثل:
- الكرامةِ السابقةِ على المنفعة (ولقد كرمنا بني آدم)،
- وقاعدةِ “لا ضرر ولا ضرار” ،
- ومبدأ “الأمانة” بوصفها عقداً أخلاقياً لا مجردَ حقٍّ قانوني،
- ومقاصدِ الشريعةِ التي تحفظُ الدينَ والنفسَ والعقلَ والنسلَ والمالَ والعرضَ والبيئةَ.
وتذهبُ الورقةُ إلى أبعدِ من ذلك، حينَ تطرحُ مفهومَ :
“الكونية الحوارية” بديلاً عن النسبويةِ المحضةِ أو الكونيةِ المُستبدّة، وتستعيرُ من غادامير وهابرماس أدواتِ اندماجِ الآفاقِ والتواصلِ الفاعل،
لتؤكدَ أنَّ المشتركَ الإنسانيَّ لا يُكتشفُ، بل يُبنى بالحوارِ بين الثقافاتِ على قدمِ المساواة.
أما الذروةُ في الورقةِ، فهي في انتقالِها من النقدِ والتحليلِ إلى التأسيسِ العملي، عبرَ دعوتِها إلى “نهجٍ سعوديٍّ في التفلسف” لا يُغلقُ الأبوابَ، بل يفتحُها على أسئلةٍ سعوديةٍ حيّةٍ (عن الحج والعمرة، والمدينة والصحراء، والأسرة والتحول، والطاقة والماء)،
ويُقدّمُ استعارةً بليغةً هي “الزراعةُ الفكريةُ لا التصنيع” :
- تربةٌ هي الهويّةُ،
- وبذورٌ هي الأسئلةُ،
- وماءٌ هو التمويلُ والترجمةُ،
- ومشاتلُ هي المدارسُ والجامعاتُ،
- وثمرٌ هو مفاهيمُ وسياساتُ
- ومواطنونَ أعمقُ إيماناً ووعياً.
وختاماً، قدّمَتِ الورقةُ توصياتٍ استباقيةً، أبرزُها:
- إصدارُ ميثاقٍ سعوديٍّ للتفلسفِ المسؤول،
- وتحويلُ مبادئِ “سدايا” إلى معاييرَ ملزمةٍ،
- وإطلاقُ مسارٍ عشرينيّاً لبناءِ المدراسِ الفلسفيةِ،
- وإنشاءُ مجالسَ متعدّدةِ التخصصاتِ لكلِّ تطبيقٍ حساس،
- واعتمادُ نجاحٍ نوعيٍّ يقومُ على جودةِ الحجةِ لا كثرةِ النشر.
ثانياً: التعليقُ على عمقِ الورقةِ وأصالتِها:
بعدَ قراءةٍ متأنّيةٍ لهذه الورقةِ، أستطيعُ أنْ أقولَ بكلِّ ثقةٍ: إنَّها واحدةٌ من أهمّ الوثائقِ الفكريةِ التي أنتجَها المشهدُ السعوديُّ في العقدِ الأخير، وذلك لعدةِ أسبابٍ موضوعيةٍ منها :
- تجاوُزُ ثنائيّةِ التبعيّةِ والرفض:
لم تقعِ الورقةُ في فخِّ التبعيّةِ للخطابِ الغربيّ، ولا في فخِّ الرفضِ المطلقِ المغلَق،
بل تعاملتْ مع الفلسفةِ الغربيةِ والتقنيةِ الغربيةِ بوصفِها إنجازاً بشريّاً قابلاً للنقدِ والاستئناسِ معاً.
وهذا الموقفُ المتوازنُ هو عينُ الحكمةِ العمليةِ التي تحدّثَ عنها أرسطو، والتي تؤكّدُ عليها قيمُنا الإسلاميةُ في الأخذِ بالحكمةِ حيثُ كانت.
- استحضارُ أفكار ابن رشدِ الفلسفيةِ:
المتمثلة في مقولته المشهورة :
“الحقُّ لا يضادُ المحقَّ، بل يوافقه ويشهد له”،
وهذا هو جوهرُ المشروعِ.
فالمقالة تُعيدُ الاعتبارَ لمنهجِ التوفيقِ بينَ البرهانِ العقليِّ والوحيِ الإلهيِّ، وتُلبسُه ثوبَ العصرِ الرقميِّ، وتُقدّمُ نموذجاً معاصراً للاجتهادِ الفلسفيّ الذي لا يخافُ العقلَ ولا يتنازلُ عن الإيمان.
- العمليّةُ والواقعيّةُ في مواجهةِ التنظيرِ المجرّد:
لم تكتفِ المقالة بالتنظيرِ الفلسفيِّ الجميل، بل نزلتْ إلى أرضِ الواقعِ باقتراحاتٍ مؤسسيةٍ وتعليميةٍ قابلةٍ للتطبيقِ. حديثُها عن “المدرس الفلسفي” في المستشفى،
وعن “مناهجِ التفكيرِ الناقد” من المرحلةِ الابتدائيةِ حتى الجامعة،
وعن “مجلسٍ متعددِ التخصصات” لكلِّ تطبيقٍ حساس، يُخرجُ الفلسفةَ من برجِها العاجيِّ ليُدخلَها في صميمِ صناعةِ القرارِ والسياسةِ العامةِ.
وهذا ما نحتاجُه حقاً في وطنٍ يتسارعُ تحوّلُه نحوَ المستقبل.
- التعاملُ الشجاعُ مع الذكاءِ الاصطناعيّ في إنتاجِ المقالة نفسها:
كانتْ لفتةُ الكاتبِ في نهايةِ ورقتِه – بإقرارِه باستعانتهِ بالذكاءِ الاصطناعيّ في تنظيمِ المعلومةِ وحفظِ الوقتِ .
فهذا الإقرارُ يُترجِمُ عمليّاً ما نادى به طوالَ البحث أنَّ الآلةَ أداةٌ معينةٌ،
وأنَّ المسؤوليةَ الأخلاقيةَ والمنهجيةَ تبقى للإنسانِ وحده.
وهو تطبيقٌ عمليٌّ لمبدأ “الإفصاح” الذي نادى به، وضربَ مثالاً رائداً للأمانةِ الأكاديميةِ في زمنِ “الهَلوسةِ الذكالية”.
- النظرُ إلى الفلسفةِ كغرسٍ لا كبناءٍ:
استعارةُ “الزراعة” التي قدّمَها معالي المهندس عبدالله الرخيصُ هي الاستعارةُ الأعمقُ في الورقة. فالفلسفةُ ليستْ قراراً إدارياً يُنفّذُ، ولا هي شعاراً يُرفعُ، بل هي جهدٌ متراكمٌ يحتاجُ إلى تربةٍ خصبةٍ، وزمنٍ ممتدٍّ، وصبرٍ على الثمرِ. هذه الرؤيةُ تمنحُ المشروعَ الفلسفيَّ السعوديَّ بعداً استراتيجيّاً بعيدَ المدى، وتُحرّرُه من نزعةِ الاستعجالِ التي قد تُفسدُ ما تهدفُ إلى بنائِه.
إنَّ ورقةَ المهندس عبد الله بنِ إبراهيمَ الرخيصِ ليستْ مجردَ مقالٍ يُقرأُ ويُنسى، بل هي بيانُ تأسيسٍ لمرحلةٍ جديدةٍ من الوعيِ الفلسفيِّ السعوديِّ.
لقد استطاعَ الكاتبُ – بما يملكُه من خبرةٍ دوليةٍ وإطلاعٍ عميقٍ – أنْ يضعَ أصبعَه على جرحِ العصرِ الفلسفيِّ:
أزمةُ القيمِ في زمنِ الآلةِ الذكيةِ.
ثمّ قدّمَ مخرجاً وطنيّاً إسلاميّاً يفتخرُ بجذورِه
وينفتحُ على العالمِ،
بعيداً عن العُزلةِ أو الذوبانِ.
ويُبقي علىّ، كأكاديميٍّ عايشتُ جيلاً من الطلبةِ الباحثين، أنْ أُشدّدَ على أنّ التحديَّ الأكبرَ الذي تواجهُه هذه الرؤيةُ ليسَ في نظريّاتِها، بل في :
- قدرتِها على النزولِ إلى الفصولِ الدراسيةِ،
- وعلى إقناعِ صُنّاعِ القرارِ بأنَّ الفلسفةَ ليستْ ترفاً ثقافيّاً،
- بل ضرورةً وطنيةً لبناءِ إنسانِ “رؤية 2030″،
القادرِ على التفكيرِ النقديّ، والأخلاقيِّ، والمستقبليِّ.
أخيراً، أُوجّه تحيّةَ تقديرٍ لمعالي م/ عبدالله الرخيص على هذا الجهدِ الموسوعيِّ المتماسك،
وأتمنّى أنْ تجدَ هذه الورقةُ طريقَها إلى
- مراكز دعم القرارِ،
- وإلى مناهجِ التعليمِ،
- وإلى مختبراتِ الذكاءِ الاصطناعيّ في وطنِنا الغالي.
فالمستقبلُ – كما يقولُ الكاتبُ – لا يُصنعُ بالآلةِ وحدها،
بل بإنسانٍ يعرفُ لماذا يصنعُ،
وكيفَ يستخدمُ، ولأجلِ من يُبدعُ.
اللهم بارِكْ لنا في عقولِنا،وأسماعنا وأبصارنا وجميع نعم الله علينا وألهمْنا رشدَنا، ووفّقْ قيادتَنا وولاة أمرنا إلى ما فيه صلاحُ البلادِ والعباد.
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم
كاتب رأي
