كُتاب الرأي

الأمن الجيولوجي بين عمق التخصص وعمومية المعرفة

الأمن الجيولوجي بين عمق التخصص وعمومية المعرفة

عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

الأمن الجيولوجي ليس مجرد مصطلح علمي، بل هو أحد أركان الأمن الوطني الشامل؛ ويمكن تعريفه بأنه قدرة الدولة على فهم تكوينها الجيولوجي ومواردها ومخاطرها، وتحويل هذه المعرفة إلى قرارات تحمي الإنسان والعمران، وتضمن استدامة الموارد، وتدعم الاقتصاد وسلاسل الإمداد.
وتتجلى أهمية الأمن الجيولوجي في المملكة العربية السعودية من خلال تطبيقات عملية تمس عصب الحياة والتنمية.
  • فمن الناحية الاقتصادية، يقف هذا العلم وراء استكشاف الثروات النفطية والمعدنية، التي تعد من أهم الموارد الاستراتيجية للمملكة.
ولا تقف مستهدفات رؤية السعودية 2030 عند استخراج هذه الموارد، بل تمتد إلى توطين الصناعات وتطوير سلاسل القيمة المعدنية لزيادة القيمة المضافة محلياً [1] [2]. وهذا التحول الاقتصادي يبدأ من الجيولوجي الذي يحدد موقع المورد وخصائصه وجدواه.
  • ومن الناحية البيئية والمائية، يتولى الجيولوجي المتخصص إدارة الخزانات الجوفية لضمان استدامة المياه، ودراسة الآثار البيئية للمشروعات التعدينية، وتقييم مواقع السدود.
  • أما من الناحية الوقائية والعمرانية، فإن التكوين المعقد للمملكة، الذي يمتد من صخور الدرع العربي إلى المتتابعات الرسوبية والحرات البركانية [3]، يتطلب خبرات وطنية دقيقة لرصد الزلازل والبراكين، وتقييم مخاطر السيول والانهيارات الأرضية قبل إنشاء البنى التحتية والمشروعات الكبرى [4].
من الأمن الجيولوجي إلى التعليم المتخصص :
هذا التنوع الهائل في التطبيقات يعني أن المعرفة الجيولوجية العامة لا تكفي وحدها؛ فلكل ملف أدواته ومناهجه:
*الجيوفيزياء للاستكشاف والرصد،
*وجيولوجيا المياه للإدارة المستدامة،
*والجيولوجيا الهندسية لتقييم المواقع والمخاطر،
*والثروة المعدنية لتوصيف الخامات،
*والجيولوجيا البنائية والاستشعار عن بُعد للخرائط والتحليل المكاني.
ومن هذا الاحتياج الوطني تنبع ضرورة وجود تعليم جيولوجي متخصص؛ وهي الضرورة التي انطلقت منها فكرة تأسيس كلية علوم الأرض بجامعة الملك عبدالعزيز بوصفها استجابة مؤسسية لحاجة المملكة إلى الخبرة الجيولوجية التطبيقية.
فقد تشكلت هويتها عبر مسيرة طويلة، بدأت بتأسيس “مركز الجيولوجيا التطبيقية” عام 1390هـ (1970م) لتدريب الجيولوجيين السعوديين،
ثم تطور إلى معهد، قبل أن يُدمج مع قسم الجيولوجيا بكلية العلوم عام 1398هـ (1978م) تحت مسمى “كلية علوم الأرض” [5].
وتكتسب هذه المسيرة أهميتها من كون برامج الكلية من أوائل البرامج التي منحت درجتي الماجستير والدكتوراه في المملكة [5]، لتمد قطاعات البترول والمياه والتعدين بكفاءات وطنية عالية التأهيل.
ولعل ما يدفعني إلى هذه كتابة هذه المقالة صلةٌ علمية ومهنية ممتدة بهذه المؤسسة؛
فقد تخرجت في قسم الجيولوجيا بكلية العلوم في العام الذي تأسست فيه كلية علوم الأرض، ثم ابتُعثت لدراسة الماجستير والدكتوراه، وعدت بعد ذلك عضواً في هيئة التدريس بالكلية، وظللت قريباً من مسيرتها حتى عهد قريب جداً.
ومن ثم، فإن هذه الرؤية تصدر عن تجربة عايشت نشأة الكلية وتحولات برامجها، وعن حرص بالغ على أن يبني أي تطوير على الرصيد العلمي المتراكم بدلاً من أن يختصره.
لم تكن هذه المقالة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لرؤية أصيلة وموقف متراكم حول أهمية العناية ببرامج التعليم العالي وصون عمقها المعرفي وتعظيم أثرها التنموي.
فقد سبق أن تناولتُ هذه القضية من زوايا متكاملة في ثلاث كتابات تلتقي، على اختلاف موضوعاتها، عند سؤال واحد: كيف نطوّر الجامعة من دون أن نفقد أصولها المعرفية وقدرتها على إعداد الخريج المتمكن؟
  • ففي مقال «من نقد القرارات إلى بناء الحلول: كيف تحوّل الجامعات السعودية التخصصات النظرية إلى مراكز ربح واستثمار»، انطلقتُ من الجدل حول إلغاء بعض التخصصات النظرية، مثل اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع، لأؤكد أن البديل عن الإلغاء ليس الإبقاء الجامد، بل إعادة ابتكار هذه البرامج واستثمار قيمتها المعرفية.
واقترحتُ توسيع التعليم عن بُعد، وتفعيل الأوقاف الجامعية في تمويل البحوث الواعدة، وتمكين شركات أودية التقنية من نقل المعرفة إلى منتجات وخدمات.
وكانت الفكرة المحورية أن التخصص الأكاديمي ليس عبئاً إدارياً يُستبعد، بل أصل معرفي يمكن تطويره ليخدم الهوية والتنمية والاستدامة المالية معاً.
  • وفي قراءة بعنوان «أين الخلل؟ قراءة في قرارات إعادة هيكلة جامعة الملك سعود»، عرضتُ وناقشتُ أطروحة المهندس عبدالله بن إبراهيم الرخيص حول مخاطر اختزال الجامعة في الاستجابة الآنية لسوق العمل. وقد أبرزتُ أن وظيفة الجامعة أوسع من إنتاج المهارات العاجلة، وأن التكامل بين الحقول لا يعني تذويب التخصصات،
كما أن القرارات المصيرية لا تكتسب مشروعيتها وفاعليتها إلا بالحوار المؤسسي وإشراك أعضاء هيئة التدريس والطلاب وأهل الخبرة. ومن هنا أصبحت التشاركية، في رؤيتي، جزءاً من جودة القرار ذاته وليست إجراءً شكلياً يسبقه أو يلحقه.
  • أما في مقال «بين هدر وكفاءة الإنفاق: عندما تصبح المختبرات الحديثة هياكل بلا روح»، فقد تناولتُ جانباً آخر من القضية، هو الفرق بين خفض التكلفة وتحقيق الكفاءة. وأوضحتُ أن شراء المختبرات والأجهزة لا يصنع قيمة ما لم تُضمن لها ميزانيات التشغيل والصيانة والكوادر الفنية، وأن كفاءة الإنفاق الحقيقية تُقاس بدورة حياة الأصل وبقدرته المستمرة على إنتاج بحث رصين، وخريج متمكن، وابتكار قابل للتطبيق. فالأصل المعرفي أو المادي الذي لا يُمكَّن من أداء وظيفته يتحول، مهما بلغت كلفته أو حداثته، إلى هدر مؤجل.
وهكذا تتصل الكتابات الثلاث بخيط فكري واحد:
*حماية الأصول المعرفية،
*وإشراك أهل الاختصاص في تطويرها،
*وقياس الكفاءة بجودة الأثر لا بمجرد تقليص الهياكل.
ومن ثم، فهذه المقالة ليست ردّ فعل عابراً على إعادة هيكلة كلية بعينها، بل حلقة جديدة في رؤية ممتدة للعناية ببرامج التعليم العالي.
وما يثير قلقي في حالة علوم الأرض هو احتمال أن يؤدي دمج التخصصات الدقيقة إلى تقليص العمق العلمي تحت مسوغات إدارية، فنفقد أصلاً معرفياً بنيناه على مدى عقود، في وقت تزداد فيه حاجة المملكة إليه لتحقيق أمنها الجيولوجي والاقتصادي.
إعادة الهيكلة والسؤال عن هوية الخريج :
ضمت الكلية، قبل هيكلتها الأخيرة، تخصصات دقيقة في:
*الثروة المعدنية والصخور،
*والجيولوجيا الهندسية والبيئية،
*والجيوفيزياء،
*وجيولوجيا المياه،
*والجيولوجيا البنائية والاستشعار عن بُعد.
وقد أتاح هذا التنوع للطالب أن يتدرج نحو مجال دقيق، ليتخرج بهوية علمية واضحة. وقد حضَرت هذه الخبرات العميقة في ملفات وطنية حساسة، ومن ذلك إسهام الكلية خلال نشاط العيص الزلزالي، الذي كشف عن تداخل النشاطين الزلزالي والبركاني وأهمية الرصد المتخصص [7]؛ وهي تجربة تؤكد أن الأمن الجيولوجي يستند إلى عمق التخصص، لا إلى عمومية المعرفة.
في هذا السياق، تأتي إعادة هيكلة الكلية وتغيير مسماها إلى كلية التعدين، ودمج برامجها في قسم واحد باسم قسم علوم الأرض والجيوفيزياء، بوصفها تحولاً يستحق قراءة تتجاوز الهياكل إلى السؤال الأهم: أي نوع من الخريجين نريد أن نصنع؟
من المفهوم أن تستهدف الهيكلة رفع الكفاءة وتقليل التداخل. غير أن نجاح هذا التوجه لا يتوقف على الجمع الإداري، بل على قدرة البناء الجديد على حماية العمق العلمي. فالمشكلة ليست في وجود مظلة أكاديمية واسعة، بل في أن تتحول هذه المظلة إلى برنامج عام يختصر تخصصات عميقة في مقررات تعريفية متفرقة.
فكلية علوم الأرض ليست حقلاً بسيطاً يمكن الإحاطة بجميع فروعه بالدرجة نفسها. فالخريج الذي يقضي دراسته في مجال دقيق يمتلك طريقة تفكير تخصصية يعرف من خلالها
*كيف يفسر البيانات،
*وما حدود أدواته،
*وكيف يربط الملاحظة بالقرار المهني.
  • فخريج جيولوجيا البترول، مثلاً، يدخل سوق العمل بذخيرة في المكامن وطرائق الاستكشاف، مما يمنحه قدرة على المنافسة في قطاع الطاقة.
  • ويتخرج المتخصص في جيولوجيا المياه بمعرفة متدرجة بحركة المياه الجوفية والإدارة المستدامة، ليكون أقرب إلى التعامل مع مشكلات المياه الحقيقية.
  • أما خريج الجيوفيزياء، فيتوجه إلى العمل بأساس متين في الرياضيات ومعالجة البيانات والطرائق الزلزالية [6]،
وهي أدوات كمية يصعب بناؤها بجرعات مختصرة.
  • وكذلك الحال مع خريج الجيولوجيا الهندسية في تقييم المخاطر،
  • وخريج الثروة المعدنية في توصيف الخامات.
هذه الأمثلة توضح أن قيمة الأقسام السابقة كانت في السلاسل التعليمية المتدرجة التي تقود الطالب إلى التطبيق المتخصص، ليغادر الجامعة بهوية مهنية واضحة يعرّف بها نفسه أمام جهة التوظيف.
أما حين تُدمج التخصصات في مسار واحد واسع، فإن الطالب يتلقى جرعات معرفية متنوعة تفيده في الثقافة العامة، لكنها لا تضمن الجاهزية المهنية. فالوقت الدراسي ثابت، وكل مساحة تُمنح لموضوع جديد تُقتطع من عمق موضوع آخر.
هذا الفارق يتضح عند المقابلة الوظيفية وفي القدرة على التعامل مع البيانات الحقيقية.
  • فالخريج في المسار العام قد يجد نفسه بعيداً عن المنافسة، مما يضطره إلى أخذ دورات متخصصة لعام أو عامين لسد الفجوة.
وهنا تبرز المفارقة؛ فإذا كانت فلسفة الدمج تستند إلى كفاءة الإنفاق، فإن هذا الهدر الخفي في وقت الخريج وتكاليف التدريب الإضافي يتعارض مع المفهوم الشامل لكفاءة الإنفاق، الذي يقاس بجودة المخرجات وسرعة انتقال الخريج إلى العمل المنتج.
إن تشخيص هذا التحدي يجب أن يقود إلى بديل عملي ينسجم مع الهيكلة المستحدثة ويحافظ على العمق العلمي.
  • ولعل الحل المناسب هو إنشاء شُعب تخصصية داخل قسم علوم الأرض والجيوفيزياء، بحيث يظل القسم وحدة إدارية واحدة، بينما تتعدد داخله المسارات الأكاديمية التي تمنح الطالب هوية تخصصية.
علماً أن هذا التصور مطبق بنجاح في قسم الأحياء بكلية العلوم، حيث تجتمع تحت مظلته شُعب رئيسة تشمل
*علم الحيوان
*والنبات
*والأحياء الدقيقة
*والجينوميات.
وبالقياس، يمكن لقسم علوم الأرض والجيوفيزياء أن يضم شُعباً ل:
*لثروة المعدنية والصخور،
*والجيولوجيا الهندسية والبيئية،
*والجيوفيزياء التطبيقية،
*وجيولوجيا المياه،
*والجيولوجيا البنائية والاستشعار عن بُعد،
*وجيولوجيا البترول .
ولا ينبغي أن تقتصر وظيفة هذه الشُّعب على توزيع المقررات، بل يمكن أن تكون نواة لمجموعات تطبيقية تتعاون مع قطاعات الصناعة في
*توطين تقنيات الاستكشاف،
*وتوصيف الخامات،
*ورصد المخاطر الزلزالية والبركانية.
وبهذا يصبح العمق التخصصي أداة لخدمة مستهدفات الرؤية وحماية المجتمع.
ويمكن تطبيق هذا النموذج من خلال مقررات تأسيسية مشتركة في السنوات الأولى، ينتقل بعدها الطالب إلى إحدى الشُّعب ليدرس حزمة متخصصة وينفذ تدريباً ومشروع تخرج في مجاله، ويظهر اسم الشعبة بوضوح في سجله ووثيقة تخرجه.
ولا يمنع هذا التنظيم وجود مختبرات ومشروعات مشتركة؛ بل يجعل التعاون أكثر فاعلية بين متخصصين يمتلك كل منهم عمقاً في مجاله.
ولضمان نجاح المقترح،
  • يجب أن تُراجع مخرجات كل شعبة دورياً بمشاركة جهات التوظيف،
  • وأن يُقاس أثر الهيكلة بمؤشرات واضحة، مثل توظيف الخريجين في مجالاتهم، وسرعة حصولهم على الوظيفة، ومقدار التدريب الإضافي الذي يحتاجون إليه.
بهذا التنظيم نحقق أهداف الهيكلة الإدارية بوجود قسم واحد قوي، ونضمن في الوقت ذاته أن يدرس الطالب ضمن شعبة تمنحه العمق المعرفي ليكون جاهزاً للمنافسة منذ اليوم الأول،
محققين بذلك المعادلة الصعبة: كفاءة إدارية في الهيكلة، وعمق أكاديمي في المخرجات.
إن قيمة أي هيكلة لا تُقاس بعدد الوحدات المدمجة، بل بقدرتها على تخريج إنسان يعرف مجاله بعمق، ويستطيع أن ينتقل إلى موقع العمل بأقصر مسافة ممكنة.
وإذا أمكن لقسم علوم الأرض والجيوفيزياء أن يجمع بين الوحدة الإدارية والتعدد التخصصي، فإنه سيمنح إرث هذه الكلية العريقة صورة جديدة أكثر مرونة وقدرة على الاستمرار في خدمة الأمن الجيولوجي والاقتصادي للوطن.
والله من وراء القصد.
مراجع مختارة
[1] رؤية السعودية 2030: استراتيجية قطاع التعدين.
[2] رؤية السعودية 2030: برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية.
[3] هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية: جيولوجية شبه الجزيرة العربية.
[4] سعوديبيديا: هيئة المساحة الجيولوجية السعودية ومهامها.
[5] جامعة الملك عبدالعزيز: عن كلية علوم الأرض ونشأتها.
[6] جامعة الملك عبدالعزيز: قسم الجيوفيزياء بكلية علوم الأرض.
[7] هيئة المساحة الجيولوجية السعودية: النشاط الزلزالي في حرة الشاقة (لونيير) بمنطقة العيص.

 

كاتب رأي 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.