كُتاب الرأي
بشهادة البنك الدولي

بشهادة البنك الدولي
الذكاء الاصطناعي في قلب رؤية المملكه 2030
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس – جامعة الملك عبدالعزيز
توقفتُ مطولاً أمام خبر تناقلته منصاتنا الإخبارية مؤخراً، يقول عنوانه إن السعودية “أبهرت العالم بنموذج ذكاء اصطناعي تفوق على الجميع”. عنوان مثير بلا شك، لكنه دفعني إلى العودة للمصدر الأصلي. وما وجدته هناك كان، في تقديري، أهم من العنوان نفسه وأبعد أثراً.
المصدر هو دراسة حالة أصدرها البنك الدولي في يونيو 2026، في نحو خمسين صفحة، لم تتحدث عن “نموذج خارق” يتفوق على نماذج الشركات العملاقة، بل وثّقت شيئاً آخر: تجربة المملكة في بناء “البيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي” (AI SandboX) التي يقودها المركز الوطني للتعليم الإلكتروني.
والفارق بين الأمرين جوهري؛
فالنموذج التقني مهما بلغت قوته يتقادم في أشهر،
أما المنظومة المؤسسية القادرة على احتضان الابتكار واختباره وتوظيفه بأمان فهي التي تصنع الريادة الممتدة. وهذا تحديداً ما شهد به البنك الدولي حين وصف التجربة السعودية بأنها نموذج وطني متكامل يمكن للأنظمة التعليمية حول العالم أن تتعلم منه.
ما الذي فعلته المملكة تحديداً؟
ببساطة، أنشأت “مختبراً وطنياً آمناً” يتيح للشركات والمبتكرين والمعلمين اختبار حلول الذكاء الاصطناعي داخل بيئات تعليمية حقيقية، تحت مظلة تنظيمية واضحة، قبل إطلاقها على نطاق واسع.
أطلق المركز الوطني للتعليم الإلكتروني هذه المبادرة أواخر عام 2024، وبنى حوكمتها على الإطار الوطني للذكاء الاصطناعي في التعلم الرقمي ونظام حماية البيانات الشخصية، متبنياً ما يسمى نهج “الأخلاقيات بالتصميم”، أي أن تُدمج اعتبارات الخصوصية وحماية الطالب في الحل التقني منذ لحظة تصميمه، لا أن تأتي رقابةً لاحقة بعد وقوع المحظور.
ولم يكن هذا جهد جهة واحدة.
فخلف المبادرة تكتل وطني يضم:
• وزارة التعليم،
• ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية،
• ووزارة الاستثمار،
• وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار،
• وهيئة الحكومة الرقمية،
فيما أدت “سدايا” دوراً محورياً في التحكيم وتقديم الرأي الفني.
ومن واقع عملي في الحقل الأكاديمي،
أستطيع القول إن هذا التنسيق بين الجهات هو أصعب ما في أي مشروع وطني، وإنجاحه إنجاز بحد ذاته قلّما يُلتفت إليه في العناوين والأرقام التي وثقها تقرير البنك الدولي تتحدث عن نفسها:
1. 652 طلباً تقدمت للمنصة من داخل المملكة وخارجها،
2. 20 حلاً جرى اختباره خلال عام 2025 متجاوزاً المستهدف السنوي البالغ تسعة حلول،
3. ونسبة نشر وتطبيق بلغت 45% من الحلول المختبرة مقابل مستهدف 30%.
وامتد الأثر إلى الإنسان قبل التقنية:
1. 2,884 مشاركاً جرى تأهيلهم بنسبة رضا 94%،
2. أكثر من 270 معلماً شاركوا في برامج تطوير مهني أثمرت ما يزيد على 350 حالة استخدام تعليمية موثقة داخل الفصول،
3. وتفاعل من مستخدمين في أكثر من 55 دولة.
ولعل أجمل ما في التقرير أمثلته الواقعية:
1. منصة “AILA” للتقييم والتشخيص رفعت الفهم القرائي لدى الطلاب من 45% إلى 78%،
2. ومنصة “Kenda AI” للتعلم باللعب حسّنت معدل الإجابات الصحيحة من 68% إلى 85%.
“أما ما لامسني شخصياً فهو تطبيق لترجمة لغة الإشارة العربية إلى نصوص مكتوبة بدقة 90% (يُعرف باسم الرُكَب) لخدمة الطلاب الصم وضعاف السمع.”
فهنا يتجلى المعنى الحقيقي للتقنية حين توضع في خدمة من يحتاجها أكثر.
أين يقع هذا الإنجاز من مؤشرات الرؤية؟
من يقرأ رؤية المملكة 2030 بعين فاحصة يدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس ملحقاً بها بل نسيجاً فيها؛
إذ ترتبط 66 من أهدافها الستة والتسعين، مباشرة أو غير مباشرة، بالبيانات والذكاء الاصطناعي كما تذكر “سدايا”.
وقد نصّ تقرير البنك الدولي صراحة على أن المبادرة تخدم:
1. الهدف الاستراتيجي 4.3.1 الخاص برعاية ثقافة الابتكار وريادة الأعمال،
2. الهدف 4.1.2 المتعلق بتحسين تكافؤ فرص الحصول على التعليم،
3. إضافة إلى مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية وبرنامج التحول الوطني.
وإذا نزلنا من الأهداف إلى المؤشرات الكمية، فإن الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي المنبثقة عن الرؤية وضعت مستهدفات محددة بحلول 2030:
1. دخول قائمة أعلى 15 دولة عالمياً في الذكاء الاصطناعي،
2. تدريب 40% من القوى العاملة على مهاراته الأساسية،
3. إعداد 20 ألف متخصص،
4. جذب استثمارات بنحو 75 مليار ريال،
5. تحفيز أكثر من 300 شركة ناشئة.
والبيئة التجريبية ليست بعيدة عن هذه الأرقام؛ فهي عملياً:
• حاضنة تفرز الشركات الناشئة المؤهلة،
• وتدرب الكوادر،
• وتصل الحلول الواعدة بمسارات التمويل عبر البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات.
إنها، إن جاز التعبير، الذراع التنفيذية الصغيرة لمستهدفات كبيرة.
والمحصلة على ثلاثة مسارات واضحة:
1. معرفياً: معلم يتقن توظيف الذكاء الاصطناعي في درسه، وطالب يتعلم بمحتوى يتكيف مع مستواه.
2. تقنياً: منظومة ابتكار محلية تُنتج حلولاً تعليمية سعودية بدل الاكتفاء باستيراد الجاهز.
3. تنموياً: جسر يربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، برز في تحدي الابتكار المشترك مع وزارة الموارد البشرية، بما يخدم التحول نحو اقتصاد المعرفة الذي تنشده الرؤية.
شهادة المؤشرات الدولية
الأهم من كلامنا نحن عن أنفسنا هو ما تقوله المؤشرات المحايدة.
*فقد احتفظت المملكة بالمركز الأول عالمياً في معيار الاستراتيجية الحكومية،
*وبالسابع في معيار التجارة بالذكاء الاصطناعي،
بعد أن قفزت 17 مرتبة
لتكون الأسرع تقدماً في العالم.
وهنا لفتة تستحق التأمل:
فمستهدف الرؤية كان دخول قائمة أعلى 15 دولة بحلول 2030، والمملكة حققته قبل الموعد بسنوات.
ولم يتوقف الأمر عند هذا؛
فقد حلت المملكة في المرتبة الحادية عشرة عالمياً والأولى إقليمياً في المؤشر العالمي لسلامة الذكاء الاصطناعي 2025،
وفي المرتبة الثالثة عالمياً، بعد الولايات المتحدة والصين، في نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة وفق مؤشر جامعة ستانفورد 2025،
والثالثة كذلك في نسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، والسابعة في استقطاب الكفاءات،
والثامنة في الوعي العام والاستشهادات العلمية.
وحين قارن البنك الدولي تجربتنا بتجارب الآخرين،
وجد أن البرازيل ركزت على التنظيم،
وسنغافورة على أطر الفحص والضمان،
بينما جمعت المملكة في منصة وطنية واحدة:
- التجريب،
- وتنسيق المنظومة،
- وبناء القدرات،
- والحوكمة،
وهو ما سماه التقرير : “التصميم المدمج”.
وهذه، في رأيي، هي العبارة التي تلخص القصة كلها.
كلمة أخيرة
الإنصاف يقتضي ألا نكتفي بذكر هذه النجاحات والبقاء في مواقعنا. فالتقرير ذاته يذكّر بأن المبادرة ما تزال فتية،
ويوصي:
1. بتعزيز الأدلة طويلة المدى لقياس أثرها الفعلي على تعلم الطلاب،
2. تمتين المسارات التي تنقل الحلول الناجحة من التجريب إلى التبني المؤسسي الواسع.
وهذه توصيات وجيهة حقاً وأتوقع أنها ستجد طريقها سريعاً إلى الخطط في المرحلة المقبلة،
فالإنجاز الذي حققناه بشهادة البنك الدولي يُصان بمواصلة القياس والتقويم.
يبقى أن العنوان الذي أثار فضولي في البداية لم يكن دقيقاً تماماً،
لكن الحقيقة خلفه كانت أجدر بالفخر:
لم “نبهر العالم” بنموذج خارق،
بل بنينا شيئاً أصعب وأبقى؛
منظومة وطنية تحسن استقبال الابتكار واختباره وتوجيهه لخدمة الإنسان.
وتلك، فيما أحسب، هي الطريقة التي تُبنى بها الريادة الحقيقية في وطنٍ:
يفاخرُ بقيادةٍ كالضوءِ، توجه وتُعينُ وتَسُدُّ،
ومواطنٍ دؤوب ، يَرْبطُ عقدَ الولاءِ بقيادتِهِ ربطاً لا تنفكُّ عُراهُ، ولا تَخْبو جذوتُهُ.
وصدق الله حيث يقول :
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}
بعض المصادر
• البنك الدولي (يونيو 2026). البيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي في المملكة العربية السعودية. متاح عبر: البنك الدولي
• المركز الوطني للتعليم الإلكتروني (2026). مبادرة البيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم الرقمي. متاح عبر: الموقع الرسمي للمركز
• وكالة الأنباء السعودية (يوليو 2026). “سدايا” تعزز الابتكار المسؤول للذكاء الاصطناعي في التعليم عبر مبادرة “AI SandboX”. متاح عبر: واس
• الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي. سدايا ورؤية السعودية 2030. متاح عبر: سدايا
• سعوديبيديا. الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي. متاح عبر: سعوديبيديا
• وكالة الأنباء السعودية (سبتمبر 2024). المملكة الـ14 عالمياً والأولى عربياً في المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي. متاح عبر: وكالة أنباء أم القرى
• وكالة الأنباء السعودية (فبراير 2025). المملكة 11 عالميًا والأولى إقليميًا في المؤشر العالمي لسلامة الذكاء الاصطناعي. متاح عبر: واس
• وكالة الأنباء السعودية (نوفمبر 2025). المملكة الثالثة عالميًا في نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة ونسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي وفق مؤشر ستانفورد 2025. متاح عبر: واس

