كُتاب الرأي
الاقتصاد الإسلامي

الاقتصاد الإسلامي
من الدفاع عن الشرعية الفقهية إلى نماذج اقتصادية عالمية.
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
لم يعد النقاش حول الاقتصاد الإسلامي ترفًا فكريًا أو حنينًا إلى صيغ تاريخية مضت؛ بل أصبح سؤالًا عمليًا في قلب أزمات الاقتصاد العالمي المعاصر:
كيف يمكن لرأس المال أن ينمو دون أن يتحول إلى قوة منفصلة عن الإنسان والمجتمع؟
وكيف يمكن للثروة أن تُدار بمنطق الكفاءة دون أن تفقد بعدها الأخلاقي والتنموي؟
من هنا تكتسب القمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي، التي عُقدت في إسطنبول خلال الفترة من 3 إلى 6 يونيو 2026 تحت شعار «رأس المال في الاقتصاد الإسلامي: هيكلة الثروة من أجل التنمية المستدامة»، دلالتها الخاصة؛ فهي لا تناقش التمويل الإسلامي بوصفه منتجات مصرفية فحسب، بل بوصفه رؤية أوسع لإعادة توجيه رأس المال نحو الإنتاج الحقيقي والعدالة والاستدامة.
إن أهمية هذه الفعالية لا تكمن فقط في اجتماع قادة ماليين وخبراء ومؤسسات من دول متعددة، بل في طبيعة الأسئلة التي تطرحها فقد اشتمل جدول أعمالها على عدة قضايا مثل :
- تدفقات رأس المال العالمية،
- والمصرفية الإسلامية،
- والتمويل بالمشاركة،
- والذكاء الاصطناعي،
- والتنمية المستدامة،
وهي موضوعات تعكس: انتقال الاقتصاد الإسلامي من مرحلة الدفاع عن الشرعية الفقهية إلى مرحلة بناء النماذج القابلة للتطبيق والتوسع.
كما ركزت هذه الفعالية على التمويل الأخلاقي والاقتصاد الحقيقي والنمو الشامل، بما يجعلها منصة لإعادة التفكير في علاقة المال بالقيمة الاجتماعية.
في هذا السياق، يبدو الوقف أحد أكثر المفاهيم قدرة على ترجمة الاقتصاد الإسلامي إلى أثر ملموس.
فالوقف، في تعريف البنك الإسلامي للتنمية، هو أصل يُتبرع به أو يُورث أو يُشترى ليُحفظ في أمانة دائمة لأغراض خيرية عامة أو محددة ذات منفعة اجتماعية، فهو يتميز بفكرة الديمومة وربط الملكية بمنفعة عامة مستمرة.
وهذه الديمومة هي التي تجعل الوقف أكثر من عمل خيري عابر؛ فهو مؤسسة اقتصادية واجتماعية تستطيع تحويل الأصل الثابت إلى تدفق مستمر من المنافع.
وقد دلّ التاريخ الإسلامي على أن الوقف كان أحد أعمدة التمويل الاجتماعي، إذ أسهم في تمويل التعليم والصحة ورعاية الفقراء والمرافق العامة والبحث العلمي والثقافة
وبذلك فإن الوقف لم يكن هامشًا خيريًا بجوار الاقتصاد، بل كان جزءًا من البنية المؤسسية التي حافظت على التوازن بين الثروة والمسؤولية.
غير أن القيمة الحقيقية للوقف اليوم لا تتحقق بمجرد استدعاء تاريخه، بل بإعادة بنائه وفق المناظير الثلاث التالية:
- لحوكمة الحديثة
- وقياس الأثر
- والاستثمار المؤثر.
فالوقف المعاصر لا ينبغي أن يظل محصورًا في العقار التقليدي أو الصرف الرعوي المحدود، بل يمكن أن يتطور إلى محافظ وقفية منتجة تستثمر في التعليم، والصحة، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والتقنية المالية، والاقتصاد الأخضر، والتطبيقات الرقمية ذات النفع العام.
وهذا التطوير لا يلغي روح الوقف، بل يستعيدها في بيئة اقتصادية جديدة تتطلب الشفافية والكفاءة والاستدامة.
وتقدم المملكة العربية السعودية في هذا المجال أرضية مهمة للتأمل. فقد نشرت دراسة عن دور الأوقاف في تحقيق رؤية 2030 وأهداف التنمية المستدامة، أكدت فيها أن الأوقاف كانت محورًا مركزيًا من محاور التمويل الاجتماعي في المملكة، وأنها يمكن أن تصبح مصدرًا من مصادر التمويل المستدام للرؤية وأهداف التنمية.
كما تشير بوابة الحكومة السعودية إلى أن الهيئة العامة للأوقاف تستهدف دعم وتطوير قطاع وقفي رائد يساهم في التنمية المستدامة محليًا وعالميًا، وتعزيز حوكمة القطاع لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما ينسجم مع رؤية 2030.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرات المتخصصة ذات العلاقة مثل :
«وقف الريادة للاقتصاد الإسلامي»
بوصفها صيغة قابلة لأن تتحول إلى نموذج مؤسسي جامع بين الفكرة الوقفية والمقاصد التنموية. فمثل هذا الوقف، إذا بُني على أسس علمية وحوكمة واضحة، يمكن أن
- يموّل برامج بحثية في الاقتصاد الإسلامي،
- ويؤسس حاضنات لريادة الأعمال المتوافقة مع القيم الشرعية،
- ويدعم تطوير منتجات مالية قائمة على المشاركة وتقاسم المخاطر،
- ويُنشئ منحًا تعليمية وتدريبية لإعداد جيل جديد من المتخصصين في التمويل الإسلامي والاقتصاد الاجتماعي.
وبذلك ينتقل الوقف من كونه قناة إنفاق إلى كونه منصة إنتاج معرفة ورأس مال بشري ومشروعات مستدامة.
ولكي لا يبقى الحديث في دائرة الطموح العام، فإن تحويل الوقف إلى أداة تنموية يتطلب ثلاثة شروط أساسية.
الشرط الأول :
هو الحوكمة؛ أي وجود مجالس ناظرة مستقلة، وسياسات استثمار معلنة، وتقارير أداء دورية، ومؤشرات لقياس الأثر الاجتماعي والاقتصادي.
والشرط الثاني :
هو الاحتراف الاستثماري؛ فالوقف لا يحقق الاستدامة بمجرد النية الصالحة، بل يحتاج إلى إدارة مخاطر، وتنويع أصول، وربط بين العائد المالي والأثر المجتمعي.
أما الشرط الثالث :
فهو التكامل المؤسسي؛ إذ ينبغي أن يعمل الوقف مع الجامعات، ومراكز البحث، والقطاع الخاص، والهيئات التنظيمية، ومؤسسات التمويل الإسلامي، حتى لا يتحول إلى مبادرة معزولة محدودة الأثر.
إن الاقتصاد الإسلامي في جوهره ليس اقتصادًا مضادًا للسوق، ولا دعوة إلى إقصاء رأس المال، بل محاولة لضبط حركة السوق بقيم العدل، وتحويل رأس المال من أداة تراكم منفصل إلى أداة عمران مشترك.
ولذلك فإن الوقف يمثل أحد الجسور العملية بين المبادئ والممارسة؛ فهو يحفظ الأصل، وينمّي العائد، ويوجه المنفعة نحو المجتمع، ويجعل الزمن عنصرًا في صناعة الأثر لا في استنزاف الموارد.
وتكمن قوة الطرح الذي تثيره القمة العالمية الثالثة للاقتصاد الإسلامي في أنها تعيد طرح سؤال رأس المال من زاوية أخلاقية وتنموية لا من زاوية تقنية ضيقة.
فالمصرفية الإسلامية، والصكوك، والتمويل بالمشاركة، والوقف، والتقنية المالية، والذكاء الاصطناعي، كلها أدوات لا تكتسب معناها إلا إذا وُضعت ضمن غاية أكبر: بناء اقتصاد منتج، عادل، مستدام، ومتصالح مع الإنسان. ومن ثم فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في كثرة المؤتمرات أو وفرة المصطلحات، بل في تحويل هذه الأفكار إلى مؤسسات قابلة للقياس والمساءلة والتوسع.
وعليه فيمكن القول أن الوقف يمكن أن يكون أحد أعمدة التجديد العملي للاقتصاد الإسلامي في القرن الحادي والعشرين. فهو يجمع بين :
- الأصالة والمرونة،
- وبين الشرعية والكفاءة،
- وبين حفظ المال وتحقيق النفع العام.
وإذا أُحسن توظيفه (ضمن رؤية تنموية واضحة ) ، فإن «وقف الريادة للاقتصاد الإسلامي» وأمثاله يمكن أن يتحول إلى مختبر عملي لصناعة نماذج اقتصادية أكثر إنسانية واستدامة.
وعندها لا يكون الاقتصاد الإسلامي مجرد عنوان في قمة دولية،
بل مشروعًا حضاريًا يعيد إلى المال وظيفته الأصلية:
في أن يكون وسيلة للعمران، لا غاية في ذاته.
والله من وراء القصد
كاتب رأي