كُتاب الرأي
حتى لا يختزل المعدل معنى التفوق

حتى لا يختزل المعدل معنى التفوق
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
ما زالت الجامعات ترتب خريجيها في الغالب وفق معيار المعدل الأكاديمي. ولا خلاف في أن المعدل مهم وأساس ، وأن التفوق العلمي يستحق كل التقدير، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
هل تكفي الدرجات وحدها للحكم على جاهزية الخريج للحياة والعمل والقيادة؟
هذا السؤال لا يقلل من قيمة التحصيل العلمي، بل يطلب إنصافه داخل صورة أوسع.
فالجامعة لا تخرج أوراق إجابة ناجحة فقط، بل تخرج بشراً سيعملون مع الناس، ويتخذون قرارات، ويديرون خلافات، ويخدمون مجتمعات، ويواجهون مشكلات لا تأتي دائماً في صورة سؤال محدد وإجابة نموذجية.
بعد طرح فكرة إدخال معيار للذكاء القيادي في ترتيب الخريجين، وصلتني ملاحظات جوهرية تستحق التوقف عندها.
قيل لي: كيف نقيس هذه المعايير؟ وكيف نحول مفاهيم مثل فهم الناس، وقراءة السياق، واستباق المشكلات، والحكمة في القرار إلى مؤشرات يمكن حسابها؟
ثم جاءت ملاحظة أخرى بالغة الأهمية: أين موقع الأنشطة الطلابية والخدمة التطوعية من هذا المعيار، وهي تمثل ممارسة عملية لا مجرد قدرة فكرية؟
وكذلك: هل يكون التقييم في سنة جامعية واحدة أم ينبغي أن يمتد عبر سنوات الدراسة كلها؟
هذه الأسئلة في محلها؛ لأن أي معيار لا يمكن قياسه بعدل ووضوح يبقى فكرة جميلة في شكلها ، لا سياسة قابلة للتطبيق.
فالمطلوب إذن ليس استبدال المعدل الأكاديمي بانطباعات عامة، بل ببناء نموذج متكامل يجعل المعدل جزءاً أساس من التقييم، لكنه لا الحاكم الوحيد له.
من المعدل وحده إلى التميز المتكامل
المقترح العملي هو إنشاء مؤشر للجاهزية القيادية يضاف إلى المعدل الأكاديمي، ثم يدمجان معاً في مؤشر تميز متكامل للخريج.
ففي هذا النموذج يظل المعدل الأكاديمي محفوظ المكانة، لكنه لا يحتكر ترتيب الخريجين. ويمكن للجامعة في البداية أن تمنح المعدل وزناً أكبر، مثل ثمانين في المئة، وأن تمنح مؤشر الجاهزية القيادية عشرين في المئة، ثم تراجع هذه النسبة بعد التجربة.
ولا ينبغي أن يفهم هذا المقترح على أنه مكافأة للبلاغة أو الشخصية الاجتماعية الظاهرة. فالمؤشر لا يقيس من يتحدث أكثر، ولا من يجيد تسويق نفسه، بل يقيس قدرات عملية يمكن توثيقها:
كيف يفهم الطالب الناس؟
كيف يقرأ المواقف المعقدة؟
كيف يتصرف عند تعارض المصالح؟
كيف يتوقع المشكلات قبل وقوعها؟
وما أثره العملي في فريق أو مبادرة أو خدمة تطوعية؟
النشاط الطلابي والتطوع ليسا هامشاً
ومن أهم ما ينبغي تأكيده هنا أن الأنشطة الطلابية والخدمة التطوعية ليست زينة تضاف إلى السيرة الذاتية، وليست شهادات حضور تجمع في نهاية الدراسة بل هي مختبر عملي للقيادة. ففي النادي الطلابي، والفريق التطوعي، والمبادرة المجتمعية، يتعلم الطالب ما لا يتعلمه دائماً في قاعة المحاضرة ، ففي الأنشطة اللاصفية تبرز مهارات متنوعة منها :
- العمل مع المختلفين
- وتنظيم الجهد
- وتحمل المسؤولية
- وإدارة الخلاف
- واحترام المستفيدين وتحويل الفكرة إلى أثر.
لكن الخطأ أن نقيس هذه المشاركة بعدد الساعات فقط. فقد يحضر طالب ساعات طويلة دون دور حقيقي، بينما يقود طالب آخر مبادرة محدودة لكنها أحدثت أثراً واضحاً. لذلك يجب أن ينتقل السؤال
من: كم ساعة شارك الطالب؟
إلى: ماذا فعل؟ ما دوره؟ من استفاد؟ ما الأثر؟ وماذا تعلم؟
بهذا تصبح الخدمة التطوعية دليلاً على النضج القيادي، لا مجرد رقم في ملف الطالب. ويصبح النشاط الطلابي مساحة لقياس المبادرة والمسؤولية والعمل الجماعي، لا مجرد عضوية شكلية في لجنة أو نادٍ.
كيف نقيس دون أن نظلم؟
يمكن بناء مؤشر الجاهزية القيادية على ستة أبعاد رئيسة:
- فهم الناس،
- وقراءة السياق،
- واستباق المشكلات،
- والحكم الأخلاقي،
- والأثر العملي الموثق،
- والمشاركة الطلابية والتطوعية الفاعلة. ولا تقاس هذه الأبعاد بانطباع مقيم واحد، بل بأدوات متعددة مثل المقابلة المنظمة، واختبار الحكم الموقفي، وملف الإنجاز، والسجل المعتمد للأنشطة والتطوع، والتأمل المكتوب حول تجربة حقيقية.
المقابلة المنظمة لا تكون لقاءً عاماً مفتوحاً، بل أسئلة محددة ومعايير معلنة.
واختبار الحكم الموقفي يعرض على الطالب مشكلة واقعية ويطلب منه اختيار التصرف الأنسب أو تفسير قراره.
أما ملف الإنجاز فيطلب من الطالب أن يقدم تجربة أو مشروعاً أو مبادرة مع دليل على دوره الحقيقي وأثره.
وتدعم بعض أدبيات التقييم الجامعي استخدام الأعمال الأصيلة مثل المشاريع والملفات والعروض لتقييم مخرجات معقدة لا تكشفها الاختبارات التقليدية وحدها.1
ولا بد أن يكون التقييم محمياً بضمانات واضحة مثل :
- إعلان المعايير مسبقاً،
- تدريب المقيمين،
- تعدد المقيمين،
- حفظ الأدلة رقمياً، وإتاحة الاعتراض.
كما يجب ألا يسمح للشهادات العامة أو التوصيات الفضفاضة بأن تتحكم في النتيجة؛ فعبارة مثل “طالب مميز” قد تكون مجاملة طيبة، لكنها ليست دليلاً كافياً. الدليل المقبول هو سلوك موثق، ودور واضح، وأثر يمكن وصفه أو قياسه.
كمً ينبغي لهذا النوع من التقييم أن يمتد عبر سنوات الدراسة إذ من غير العدل أن نقيس الجاهزية القيادية في سنة واحدة، فالقيادة لا تنمو فجأة، والنضج لا يظهر في اختبار عابر. لذلك ينبغي أن يبدأ التقييم من السنة الأولى بوصفه توجيهاً وتدريباً، ثم يتحول تدريجياً إلى سجل تراكمي يرافق الطالب حتى التخرج.
*ففي السنة الأولى يتعرف الطالب على المعايير ويتعلم كيف يوثق تجربة وكيف يكتب تأملاً قصيراً حول ما تعلمه.
*وفي السنة الثانية يبدأ في بناء ملفه العملي من خلال نشاط أو تطوع أو مشروع أو مشاركة بحثية.
*وفي السنة الثالثة ينتقل من مجرد المشاركة إلى تحمل مسؤولية أوسع، كتنسيق فريق أو قيادة جزء من مبادرة أو تدريب طلاب أصغر.
*وفي السنة الأخيرة يقدم ملفاً ختامياً يربط بين تعلمه الأكاديمي وتجربته العملية، ويبين كيف تطور فهمه وقدرته على العمل والمسؤولية.
وهنا تحتاج الجامعة إلى سجل رقمي للإنجاز القيادي، يسجل فيه الطالب مشاركاته وأنشطته وخدماته التطوعية، وتتحقق الجهات المشرفة من صحة الأدلة. ولا يكفي في هذا السجل رفع شهادة حضور، بل ينبغي أن يظهر دور الطالب، ومستوى مسؤوليته، ومدة التزامه، والأثر الذي تحقق، وما تعلمه من التجربة.
ما الذي سيتغير؟
إذا ظل ترتيب الخريجين مبنياً على المعدل وحده، فإن الرسالة الضمنية للطلاب هي أن التفوق الفردي في المقررات يكفي. أما إذا أصبح الترتيب يجمع بين العلم، والمسؤولية، وخدمة المجتمع، وفهم الناس، والقدرة على التصرف في المواقف المعقدة، فإن الجامعة ستقول لطلابها إن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى أثر نافع.
ولا يعني هذا التحول أن نضعف قيمة الدرجات، بل أن نمنعها من احتكار معنى التفوق.
فالطالب المتفوق حقاً ليس من يعرف أكثر فقط، بل من يستطيع أن يفهم أعمق، ويتصرف أحكم، ويخدم أنفع، ويتعلم من التجربة بصدق.
إن الجامعات التي تريد إعداد قادة المستقبل ينبغي أن تمتلك شجاعة قياس طالما مدحته في خطاباتها: كالحديث عن المبادرة، والمسؤولية، والبصيرة، وخدمة المجتمع.
فإذا أصبح ذلك جزءاً من التقييم، لا مجرد شعار في الرؤية، اقتربنا من جامعة لا ترتب خريجيها بحسب ما حفظوه فقط، بل بحسب ما يمكن أن يضيفوه إلى الحياة.
والموضوع بالتاكيد طويل ومتشعب
وبالتأكيد يحتاج الى كثير من الجهد والحوار بمشاركة كافة المعنيين لإنضاجه بما يحقق رسالة الجامعات في بناء قيادات مجتمعية هادفة ومؤثرة .
والله من وراء القصد.