كُتاب الرأي
العمل الخيري المؤسسي شريك تنموي لمستهدفات الرؤيةً

العمل الخيري المؤسسي شريك تنموي لمستهدفات الرؤيةً
( آفاق واسعة وواعدة )
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق -جامعة الملك عبدالعزيز
مقدمة
أحدثت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 تحولاً جذرياً
في مفهوم القطاع غير الربحي، حيث نقلته من مجرد قطاع يعتمد على الرعوية والعمل الخيري التقليدي (مثل تقديم المساعدات المباشرة وسد العوز) إلى قطاع تنموي ومؤسسي مستدام. وقد تجسد هذا التحول في هدف الرؤية الاستراتيجي المتمثل في رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% إلى 5% بحلول عام 2030
ولتحقيق هذا الهدف، تم تأسيس المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي كجهة إشرافية وتنظيمية، والذي قام بتصنيف مجالات عمل المنظمات غير الربحية إلى عدة مجالات تنموية ذات أولوية. وفي هذا العرض، نستعرض أبرز مجالات العمل الخيري المؤسسي غير الربحي (وليس التطوع الفردي) التي يمكن اقتراحها لتأسيس كيانات أو إطلاق برامج مؤسسية تتوافق تماماً مع برامج تحقيق الرؤية (مثل برنامج جودة الحياة، برنامج تحول القطاع الصحي، برنامج الإسكان، ومبادرة السعودية الخضراء)
أولاً: مجال الإسكان التنموي والمجتمعي:
يُعد قطاع الإسكان من أبرز القطاعات التي شهدت تكاملاً بين القطاعين الحكومي وغير الربحي ضمن “برنامج الإسكان” أحد برامج رؤية 2030. لم يعد العمل الخيري في هذا المجال يقتصر على سداد إيجارات الأسر المتعففة، بل تحول إلى عمل مؤسسي مستدام
مقترحات لمشاريع مؤسسية في قطاع الإسكان
- تأسيس صناديق وقفية للإسكان التنموي:
إنشاء صناديق استثمارية وقفية يُخصص ريعها لبناء مجمعات سكنية متكاملة الخدمات للأسر الأشد حاجة، بالتعاون مع منصة “جود الإسكان” ووزارة البلديات والإسكان.
- جمعيات ترميم وتأهيل المساكن:
مؤسسات متخصصة هندسياً وفنياً تعمل على إعادة تأهيل المنازل المتهالكة في الأحياء القديمة والقرى، مع التركيز على تحسين كفاءة استهلاك الطاقة (العزل الحراري) بما يتوافق مع أهداف الاستدامة.
- مؤسسات الاستشارات الهندسية غير الربحية:
تقديم تصاميم هندسية اقتصادية ومستدامة للأسر ذات الدخل المحدود، أو تقديم حلول سكنية مبتكرة (مثل البناء بالتقنيات الحديثة أو الطباعة ثلاثية الأبعاد) لتقليل تكلفة البناء.
ثانياً: مجال تحول القطاع الصحي
ينسجم هذا المجال مع “برنامج تحول القطاع الصحي” الذي يهدف إلى تسهيل الحصول على الخدمات الصحية وتحسين جودتها وتعزيز الوقاية ضد المخاطر الصحية فالعمل المؤسسي هنا يتجاوز مجرد كفالة علاج مريض إلى بناء منظومة صحية مساندة.
مقترحات لمشاريع مؤسسية في القطاع الصحي :
- مراكز الرعاية الصحية الأولية غير الربحية:
تأسيس مستوصفات أو عيادات تخصصية غير ربحية في المناطق الطرفية أو الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، تقدم خدماتها بأسعار رمزية أو مجانية للمستحقين، وتدار بنماذج تشغيلية مستدامة.
- جمعيات الوقاية والتوعية الصحية المتقدمة:
مؤسسات تركز على مكافحة الأمراض المزمنة (مثل السكري والسمنة) من خلال برامج تدخل مبكر، وتغيير أنماط الحياة، وتقديم استشارات التغذية، مما يقلل العبء الاقتصادي على النظام الصحي الحكومي.
- مؤسسات دعم الابتكار الطبي والبحث العلمي:
كيانات غير ربحية تمول الأبحاث الطبية المحلية، أو تدعم المبتكرين في مجال التقنيات الطبية (HealthTech) لتطوير أجهزة مساعدة لذوي الإعاقة أو تطبيقات صحية تخدم المجتمع.
ثالثاً: مجال البيئة والاستدامة (مبادرة السعودية الخضراء)
أعطت رؤية 2030 أولوية قصوى للبيئة من خلال مبادرة “السعودية الخضراء”. القطاع غير الربحي له دور محوري هنا يتجاوز حملات التنظيف المؤقتة إلى مشاريع بيئية ذات أثر اقتصادي واجتماعي
مقترحات لمشاريع مؤسسية في قطاع البيئة:
- مؤسسات الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير:
جمعيات متخصصة في جمع ومعالجة النفايات (الورق، البلاستيك، الإلكترونيات) وإعادة تدويرها، بحيث تُباع المواد المعالجة ويُستخدم العائد لتمويل برامج الجمعية أو خلق فرص عمل للفئات المحتاجة.
- جمعيات التشجير ومكافحة التصحر:
كيانات مؤسسية
تتبنى زراعة ملايين الأشجار في نطاقات جغرافية محددة، باستخدام تقنيات ري حديثة، وإدارة مشاتل غير ربحية توفر الشتلات بأسعار التكلفة لدعم مستهدفات السعودية الخضراء.
- مراكز التوعية وحماية الحياة الفطرية:
مؤسسات تعمل على حماية المحميات الطبيعية، وتقديم برامج تعليمية لطلاب المدارس حول التنوع البيولوجي، وتدريب المرشدين البيئيين.
رابعاً: مجال التمكين الاقتصادي والابتكار الاجتماعي
الانتقال من “الرعوية إلى التنموية” هو جوهر عمل القطاع
غير الربحي في رؤية 2030. هذا المجال يتقاطع مع “برنامج تنمية القدرات البشرية” ويدعم الاقتصاد المحلي.
مقترحات لمشاريع مؤسسية في التمكين الاقتصادي:
- حاضنات ومسرعات الأعمال الاجتماعية:
مؤسسات غير ربحية تقدم الدعم المالي، والاستشاري، والمكاني لرواد الأعمال الاجتماعيين الذين يبتكرون حلولاً تجارية لمشكلات اجتماعية (Social Enterprises).
- مؤسسات التمويل الأصغر (Microfinance):
كيانات تقدم قروضاً حسنة (بدون فوائد) للأسر المنتجة، والشباب، والنساء لافتتاح مشاريع متناهية الصغر، مع توفير التدريب المالي لضمان نجاح مشاريعهم واسترداد القروض لإعادة تدويرها.
- أكاديميات التأهيل المهني والتقني:
مراكز تدريب غير ربحية تركز على المهارات المطلوبة في سوق العمل الحديث (مثل البرمجة، الذكاء الاصطناعي، صيانة السيارات الكهربائية، الطاقة المتجددة) لتأهيل الشباب العاطلين عن العمل وإدماجهم في القطاع الخاص.
خامساً: مجال جودة الحياة والثقافة والفنون
يتوافق هذا المجال مع “برنامج جودة الحياة” الذي يهدف إلى تحسين نمط حياة الفرد والأسرة وبناء مجتمع ينعم بأسلوب حياة متوازن .
مقترحات لمشاريع مؤسسية في جودة الحياة:
- جمعيات تنمية المرافق المجتمعية:
مؤسسات تأخذ على عاتقها تطوير الحدائق العامة، وإنشاء مسارات للمشاة والدراجات، وتجهيز ساحات رياضية في الأحياء السكنية لتشجيع ممارسة الرياضة.
- مراكز الثقافة والفنون غير الربحية:
كيانات تدعم المواهب الشابة في مجالات المسرح، والأدب، والفنون البصرية، وتوفر لهم مساحات للتدريب والعرض، مما يساهم في إثراء المحتوى الثقافي المحلي.
- مؤسسات العناية بالتراث الوطني:
جمعيات تتولى ترميم المباني التراثية، وتوثيق الحرف اليدوية التقليدية وتدريب الأجيال الجديدة عليها، وتسويق منتجاتهم محلياً ودولياً.
سادساً: مجال التعليم والأبحاث
دعم قطاع التعليم والأبحاث يعد استثماراً طويل الأجل يتوافق مع بناء “مجتمع حيوي” و”اقتصاد مزدهر”.
مقترحات لمشاريع مؤسسية في التعليم:
- مؤسسات دعم الطفولة المبكرة:
جمعيات متخصصة في إنشاء وتشغيل رياض أطفال وحضانات نموذجية غير ربحية بأسعار في متناول الأسر ذات الدخل المحدود، لتمكين الأمهات من دخول سوق العمل.
- صناديق المنح الدراسية والبحثية:
كيانات وقفية توفر منحاً دراسية للطلاب الموهوبين من ذوي الدخل المحدود لإكمال دراستهم الجامعية أو العليا في تخصصات نوعية (STEM)، أو تمويل أبحاث تطبيقية تحل مشكلات وطنية.
- مراكز التعليم المستمر ومحو الأمية الرقمية:
مؤسسات تستهدف كبار السن والفئات الأقل حظاً لتعليمهم مهارات استخدام التقنية والخدمات الحكومية الإلكترونية، لسد الفجوة الرقمية في المجتمع.
عوامل نجاح العمل الخيري المؤسسي
لضمان نجاح هذه المقترحات وتحقيقها لأثر مستدام ينسجم مع رؤية 2030، يجب أن ترتكز المؤسسات غير الربحية على المعايير التالية :
1 الاستدامة المالية: عدم الاعتماد الكلي على التبرعات، بل ابتكار نماذج عمل تدر دخلاً ذاتياً (مثل الأوقاف الاستثمارية، أو تقديم خدمات مدفوعة بأسعار رمزية).
2 الحوكمة والشفافية: تطبيق أعلى معايير الإفصاح المالي والإداري، وتشكيل مجالس إدارة فاعلة، والامتثال لمعايير المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
3 قياس الأثر الاجتماعي (SROI): الانتقال من قياس المخرجات (مثل: كم عدد المستفيدين؟) إلى قياس الأثر الحقيقي (مثل: كم نسبة التغير الإيجابي في حياة المستفيد؟).
4 الابتكار التقني: توظيف التقنيات الحديثة (مثل تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي) في تحديد الاحتياجات، وإدارة الموارد، والتواصل مع الداعمين والمستفيدين.
وفي الخلاصة يجدر القول بأن الفرص المتاحة للعمل الخيري المؤسسي في المملكة العربية السعودية اليوم أوسع من أي وقت مضى.
فالانتقال نحو “المنظمات التنموية” و”الشركات غير الربحية” يتيح لرجال الأعمال، والشركات، والمبادرين تأسيس كيانات تصنع أثراً عميقاً ومستداماً، وتكون شريكاً حقيقياً في تحقيق مستهدفات رؤية 2030.
إن توجيه الأموال والجهود نحو هذه المجالات ذات الأولوية (الإسكان، الصحة، البيئة، التمكين الاقتصادي) سيضمن عائداً تنموياً مضاعفاً يخدم الأجيال الحالية والقادمة بإذن الله تعالى.
كاتب رأي
المراجع:
[1] رؤية السعودية 2030 – الأهداف الاستراتيجية وبرامج التحقيقhttps://www.vision2030.gov.sa/ar
[2] تحولات العمل الخيري في المملكة: من صناديق البر إلى رؤية 2030 – استثمار المستقبلhttps://estithmar.org.sa/tahawulat-aleamal-alkhayrii/
[3] القطاع غير الربحي.. من سد العوز إلى صناعة الأثر – جريدة الرياضhttps://www.alriyadh.com/2194279
[4] برنامج تحول القطاع الصحي – رؤية السعودية 2030https://www.vision2030.gov.sa/ar/explore/programs/health-sector-transformation-program
[5] مدير إدارة منظمات القطاع غير الربحي بوزارة البيئة – مبادرة السعودية الخضراء كرافعة تنمويةhttps://www.instagram.com/reel/DZUheIoDCns/
[6] الجمعيات الأهلية شريك تنموي بمنظومة تقودها وزارة الموارد البشرية – وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعيةhttps://www.hrsd.gov.sa/media-center/news/الجمعيات-الأهلية-شريك-تنموي

