«الجامعات بين التحول التاريخي والارتباك المؤسسي»

«الجامعات بين التحول التاريخي والارتباك المؤسسي»
الجزء الثاني (نظرة تحليلية للمقالة )
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز
تتسم هذه المقالة التي كتبها م/ عبدالله الرخيص بلغة رصينة تجمع بين التحليل والتحذير والدعوة إلى الإصلاح. فهي لا تقدم خطاباً انفعالياً، ولا تبني موقفها على رفض التغيير، بل تصوغ نقدها من داخل مشروع التحول نفسه. وهذا ما يجعلها أكثر قوة؛ لأنها لا تعارض المستقبل، بل تدافع عن شروط الوصول إليه. إنها تقول، بوضوح، إن الجامعة السعودية يجب أن تتغير، ولكن لا يجوز أن تفقد معناها وهي تتغير. ويبدو هذا المعنى هو جوهر المقالة ورسالتها الأهم.
كما تكتسب هذه المقالة أهميتها من أنها لا تتعامل مع الجامعة بوصفها جهازاً تعليمياً محدود الوظيفة، ولا تنظر إلى الإصلاح الجامعي من زاوية إدارية ضيقة، بل تقدم قراءة أعمق لموقع الجامعة في مشروع الدولة والمجتمع. فهي تنطلق من فكرة مركزية بالغة الأهمية، مفادها أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات أو تستجيب لمتطلبات سوق العمل، وإنما هي عقل الدولة، وذاكرتها المعرفية، ومختبرها المستقبلي، ورافعة أساسية لبناء الإنسان والتنمية والوعي.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن قوة المقالة تكمن في أنها تضع النقاش الجامعي في سياقه الصحيح. فهي لا ترفض التحول، ولا تقف موقفاً دفاعياً عن النماذج القديمة، ولا تنكر حاجة الجامعات إلى الكفاءة والاستدامة والحوكمة. لكنها في الوقت نفسه تحذر من أن يتحول الإصلاح إلى عملية اختزال واسعة تختصر الجامعة في مؤشرات مالية أو تشغيلية أو وظيفية عابرة. وهذا التوازن هو ما يمنح المقالة قيمتها؛ فهي تؤيد التغيير من حيث المبدأ، لكنها ترفض أن يكون التغيير بلا فلسفة واضحة أو بلا وعي بطبيعة المؤسسة الجامعية.
إن المقالة تطرح سؤالاً بالغ الأهمية: ما الجامعة التي نريدها؟ هل نريد جامعة قوية مستقلة ومسؤولة، قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الإنسان والمساهمة في بناء الاقتصاد، أم نريد مؤسسة تشغيلية مرهقة تتلقى الأوامر وتعيد ترتيب برامجها وفق مؤشرات الطلب اللحظية؟
هذا السؤال لا يخص الجامعات وحدها، بل يخص مستقبل التنمية الوطنية برمته؛ لأن ضعف الجامعة ينعكس على جودة التفكير العام، وعلى قدرة المجتمع على الابتكار، وعلى كفاءة السياسات العامة، وعلى عمق رأس المال البشري.
ومن أبرز ما يحسب للمقالة أنها شخصت أزمة الحوكمة بوصفها مدخلاً لفهم بقية الإشكالات.
فالجامعة لا يمكن أن تنجح إذا لم تكن العلاقة بين السلطة والمسؤولية واضحة. ولا يمكن مطالبة القيادات الجامعية بتحقيق نتائج كبرى في البحث والابتكار والاستدامة المالية والمواءمة مع سوق العمل، بينما أدوات القرار موزعة أو غير مكتملة أو محكومة بتداخل المرجعيات. ولذلك فإن دعوة المقالة إلى حوكمة واضحة ليست مطلباً إدارياً فحسب، بل شرطاً ضرورياً لبناء جامعة قادرة على التخطيط والمبادرة والمساءلة.
وتزداد أهمية هذا الطرح حين نقرأه في ضوء التحولات التي تمر بها الجامعات السعودية. فالتحول من نموذج تقليدي مركزي إلى نموذج يقوم على الاستقلالية والكفاءة والمنافسة لا يمكن أن ينجح بمجرد تغيير اللوائح أو إعادة ترتيب الهياكل.
التحول الحقيقي يحتاج إلى ثقافة مؤسسية جديدة، وإلى وضوح في الصلاحيات، وإلى مجالس أمناء فاعلة، وإلى قيادات قادرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.
ومن هنا تبدو المقالة واعية بأن الإصلاح الجامعي ليس عملية تقنية، بل عملية فكرية ومؤسسية وثقافية متداخلة.
كما تقدم المقالة دفاعاً مهماً عن المعنى الواسع للجامعة في مواجهة النزعة التي تختزلها في المنفعة الاقتصادية المباشرة. وهذا من أقوى جوانبها الفكرية. فالجامعة التي تُقاس قيمتها فقط بمخرجات التوظيف السريع قد تنجح مؤقتاً في تلبية بعض احتياجات السوق، لكنها تخسر مع الوقت وظيفتها الأعمق في تكوين العقل النقدي، وبناء الشخصية، وتنمية الوعي، وإنتاج الأسئلة الكبرى.
ومن هنا يأتي دفاع المقالة عن العلوم الإنسانية والاجتماعية واللغات والفلسفة والفنون دفاعاً عن توازن المعرفة، لا دفاعاً عن ترف أكاديمي أو عن تخصصات معزولة عن الواقع.
والحق أن هذا الموقف يستحق التأييد والإشادة؛ لأن التنمية لا تقوم على المهارة التقنية وحدها. فالمهندس والطبيب والمبرمج ورائد الأعمال يحتاجون إلى بيئة فكرية وأخلاقية واجتماعية تمنح أعمالهم معنى واتجاهاً. كما أن الاقتصاد نفسه لا ينهض فقط بالأرقام والمهارات، بل يحتاج إلى فهم الإنسان والمجتمع والثقافة والسلوك والسياسات. ولهذا فإن المقالة تصيب حين تؤكد أن الجامعة يجب أن تخدم الاقتصاد من موقع القوة المعرفية، لا من موقع التبعية الكاملة لمنطق السوق.
ومن الجوانب اللافتة كذلك أن المقالة لا ترفض الاستدامة المالية ولا تعادي الكفاءة، بل تضعهما في موضعهما الصحيح. فالكفاءة المالية مطلوبة، وترشيد الإنفاق ضرورة ( وليس هدر الإنفاق ) ، وتنويع مصادر الدخل مسار مهم لأي جامعة حديثة. غير أن الخطر، كما توضح المقالة، يبدأ عندما تتحول الكفاءة المالية إلى فلسفة حاكمة بديلة عن الرسالة الأكاديمية. فالجامعة ليست شركة يمكن قياس قيمتها بمنطق الربح والخسارة وحده، بل مؤسسة لها ذاكرة وامتداد ورمزية ووظيفة عامة. ومن ثم فإن قرارات الدمج أو الإغلاق أو تقليص التخصصات لا ينبغي أن تصدر بعقلية مالية عاجلة، بل ضمن رؤية أكاديمية واضحة ودراسة أثر عميقة وحوار مؤسسي جاد.
هذه النقطة ( تعتبر جوهر القضية التي نحن بصددها ) فهي تمنح المقالة بعداً عملياً مهماً؛ فلا تكتفي بالتحذير النظري، بل تشير إلى أن القرارات المتسرعة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها إضعاف الروح الأكاديمية، وإرباك المجتمع الجامعي، ودفع الكفاءات إلى المغادرة، وتحويل الجامعة إلى مؤسسة تشغيلية منهكة.
وتبدو المقالة أكثر إقناعاً عندما تربط بين الإصلاح والاستقرار المؤسسي. فالجامعة لا تستطيع أن تقود البحث والابتكار والتنمية المحلية وريادة الأعمال إذا ظلت غارقة في موجات متلاحقة من إعادة الهيكلة والضغوط التشغيلية.
إن القيادة الجامعية تحتاج إلى أفق زمني واضح، وإلى صلاحيات مستقرة، وإلى ثقة مؤسسية، حتى تتمكن من بناء الشراكات وتطوير البرامج واستثمار المواهب. وهذا الربط بين الاستقرار والابتكار يمثل إضافة مهمة؛ لأن بعض مشاريع الإصلاح تفترض أن كثرة التغيير دليل حيوية، بينما الواقع أن التغيير غير المستقر قد يتحول إلى مصدر إنهاك لا إلى مصدر تجديد.
وتستحق المقالة الإشادة حيث تمد نظرها إلى الجامعات الجديدة. فهي تنبه إلى أن نجاح الجامعات لا يقاس بعدد المباني أو البرامج أو الطلاب، بل بوضوح الهوية الأكاديمية، وجودة القيادة، وعمق التخصص، وارتباط البرامج بحاجات المستقبل دون فقدان البعد الإنساني والمعرفي. وهذه رؤية مهمة؛ لأن التوسع الجامعي إذا لم يستند إلى فلسفة واضحة قد ينتج مؤسسات كثيرة العدد محدودة الأثر، بينما المطلوب هو جامعات نوعية قادرة على المنافسة والإضافة.
إن الرأي الذي تخرج به هذه القراءة هو أن المقالة تمثل إسهاماً فكرياً ومؤسسياً مهماً في النقاش حول مستقبل الجامعات السعودية. فهي تضع الإصلاح في ميزانه الصحيح، وتدافع عن الجامعة بوصفها مؤسسة حضارية لا مجرد جهاز إداري، وتدعو إلى حوكمة أوضح واستقلالية مسؤولة وكفاءة مالية منضبطة برسالة أكاديمية أعمق. ومن هنا فإن تأييد المقالة لا يأتي من باب المجاملة، بل من قوة أطروحتها واتزانها وقدرتها على الجمع بين متطلبات التحول وحماية المعنى الجوهري للجامعة.
كاتب رأي