حضرموت تستغيث

حضرموت تستغيث
فهل يصل النداء إلى دار الحزم والعزم؟
لم تكن العلاقة بين حضرموت والمملكة العربية السعودية يومًا علاقة طارئة أو سياسية عابرة فرضتها الظروف الحديثة، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ والعقيدة والدم والمصير المشترك. فمنذ قرون طويلة، والحضارم جزء أصيل من النسيج العربي والإسلامي الممتد إلى قلب الجزيرة العربية، يحملون معهم العلم والتجارة والقيم والدين، ويسهمون في بناء المجتمعات واستقرارها، وكانت نجد والحجاز من أبرز المحطات التي احتضنت الحضارم واحتضنوها بمحبة ووفاء وانتماء.
وحين يقرأ الإنسان التاريخ بإنصاف، يدرك أن حضرموت لم تكن يومًا عبئًا على محيطها، بل كانت مصدر استقرار وعطاء وفكر وتجارة وإنسان. لكن هذه الأرض العريقة تعرضت عبر العقود الماضية لسلسلة من الخيانات السياسية والصفقات القذرة التي دفعتها قسرًا إلى مستنقع لم تختره، حتى أصبحت اليوم أسيرة للفوضى والفساد والوصاية والعبث بمقدراتها وهويتها وثرواتها.
إن ما تعيشه حضرموت اليوم لم يعد مجرد أزمة خدمات أو خلاف سياسي عابر، بل أصبح تهديدًا وجوديًا حقيقيًا يطال الإنسان والأرض والهوية والأمن الاجتماعي. فالكهرباء تنهار، والاقتصاد ينهب، والقرار يُصادر، والثروات تُستنزف، بينما يُطلب من الحضرمي أن يظل صامتًا وكأن الصبر قدر أبدي لا نهاية له.
ولهذا فإن الرسالة اليوم تُرفع بوضوح إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان — حفظهما الله — لأن الحضارم يعلمون جيدًا أن المملكة العربية السعودية كانت ولا تزال السند الأكبر لأشقائها، وصمام الأمان الحقيقي للمنطقة، وأنها لم تتخلَّ يومًا عن مسؤولياتها التاريخية والإنسانية تجاه محيطها العربي والخليجي.
حضرموت اليوم لا تبحث عن شعارات، بل عن إنقاذ حقيقي قبل أن تنزلق الأوضاع إلى مرحلة أخطر قد لا تُحمد عقباها. والحضارم يدركون أن ما لهم — بعد الله — سوى مقام المملكة وقيادتها الحكيمة التي طالما وقفت مع الحق والاستقرار وحماية الشعوب من مشاريع الفوضى والانهيار.
وفي المقابل، فإن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده، بل على القوى الحضرمية في الداخل أيضًا. فقد آن الأوان لأن تتوحد الصفوف، وأن تُغلب مصلحة حضرموت فوق الحسابات الصغيرة والخلافات الضيقة، لأن المرحلة لم تعد تحتمل مزيدًا من التشظي والتناحر بينما الأرض تُستنزف يومًا بعد آخر.
إن الحقوق لا تُنتزع بالتفرق، ولا تُحمى بالصمت، ولا تُصان بالمجاملات السياسية. حضرموت تحتاج اليوم إلى مشروع وطني حضرمي موحد، وإلى صوت قوي وشجاع يعرف ماذا يريد، ويتحدث باسم شعب أنهكته المعاناة لكنه لم يفقد كرامته ولا حقه في الحياة الكريمة وتقرير مصيره.
لقد صبر الحضارم طويلًا… أكثر مما ينبغي.
لكن الشعوب الحية لا تموت، وحضرموت بتاريخها وثقلها وموقعها لن تبقى رهينة لهذا المستنقع إلى الأبد.
مهندس صالح بن سعيد المرزم
22 مايو 2026
