كُتاب الرأي

حين يتحوّل المعلّم إلى أثرٍ لا يغيب

من اليمين الدكتور علي العباد باوزير ثم المرحوم الدكتور سعيد السريحي ثم صالح بن سعيد المرزم ثم الدكتور صالح بوقري

حين يتحوّل المعلّم إلى أثرٍ لا يغيب

الدكتور سعيد السريحي كما عرفته روحًا وقلمًا

ليست كل العلاقات تبدأ من مقعد دراسي وتنتهي بخروج الطالب من بوابة المدرسة…
فهناك رجالٌ يعبرون العمر لا كأسماء مرّت علينا، بل كأثرٍ يبقى في الروح لعقود، وكبصمةٍ تعيد تشكيل الإنسان من الداخل دون أن يشعر.

الدكتور سعيد السريحي… لم يكن بالنسبة لي مجرد أستاذ لغة أو معلّم يشرح درسًا وينصرف، بل كان حالة فكرية وإنسانية متكاملة، رجلًا إذا تحدث أنصت العقل، وإذا ابتسم اطمأن القلب، وإذا كتب شعرت أن للكلمات هيبةً لا يجيدها إلا الكبار.

عرفته منذ أيام الدراسة الثانوية، يوم كان يقف أمامنا بهدوء العلماء، وعمق المفكرين، وهيبة المربين الحقيقيين.
لم يكن يصنع طلابًا فقط… بل كان يصنع وعيًا، ويوقظ داخلنا السؤال، ويزرع فينا قيمة الكلمة، واحترام الفكر، والإيمان بأن القلم رسالة لا وسيلة.

ولعل من أعظم ما أعتز به في حياتي أنني لم أفقد علاقتي بأستاذي بعد سنوات الدراسة، بل ازدادت قربًا ومحبةً وتقديرًا، حتى جمعتني به قبل أيام جلسة أدبية أعتبرها من أثمن جلسات العمر… جلسة كان يضع فيها لمساته الأخيرة على كتاب مهم:

“مبايعة حضرموت للدولة السعودية الأولى”

ذلك الكتاب الذي لم يكن مجرد سردٍ تاريخي، بل عملٌ فكري عميق يعكس الصورة الحقيقية لراية التوحيد، تلك الراية التي قامت عليها الدولة السعودية منذ نشأتها، كمنهج دين ووحدة واستقرار، لا كما تحاول بعض الكتب المسيّسة أن تصوّرها عبر دسّ السم في العسل، وتحريف الوقائع لخدمة أجندات ضيقة.

كان الدكتور سعيد السريحي يتعامل مع التاريخ بأمانة الباحث، لا بانفعال المؤدلج، ولذلك جاءت لمساته على الكتاب متميزة، ناضجة، وصادقة، تحمل روح المفكر الذي يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن تزوير الوعي أخطر من تزوير الحقائق.

وفي تلك الجلسة الأخيرة…
رغم التعب الذي كان يبدو عليه، إلا أن روحه بقيت كما عهدتها: متقدة، مؤمنة، ومخلصة للفكرة.
كان يتحدث عن التاريخ وكأنه يراه أمامه، وعن الهوية وكأنها أمانة يحملها في قلبه، وعن الكلمة وكأنها عهد لا يجوز التفريط به.

ثم جاءت لحظة دخوله المستشفى…
ليدرك كل من عرفه أن بعض الرجال لا تخيفنا عليهم الشيخوخة ولا المرض، لأن حضورهم أكبر من الجسد نفسه.

الدكتور سعيد السريحي من الشخصيات النادرة التي تترك أثرها في وجدانك دون ضجيج.
ترى بصمته في طريقة تفكيرك، وفي احترامك للمعرفة، وفي علاقتك بالقلم، وفي إيمانك بأن التربية الحقيقية ليست تلقينًا… بل بناء إنسان.

أما أنا…
فأشهد لله أن لهذا الرجل فضلًا كبيرًا في تشكيل جزءٍ مهم من نهجي وقلمي، وأن كثيرًا من الأشياء التي أكتبها اليوم تحمل في عمقها أثر ذلك المعلم الذي علّمنا كيف تكون للكلمة قيمة، وللفكر شرف، وللتاريخ أمانة.

أسأل الله الرحيم الكريم أن يغفر لأستاذي ومعلمي الدكتور سعيد السريحي، وأن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجعل ما قدّمه من علمٍ وفكرٍ وتربيةٍ في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

فالرجال العظماء لا يرحلون حقًا…
بل يبقون أحياء في ذاكرة من علّموهم، وفي قلوب من أحبّوهم، وفي أثرٍ لا تمحوه السنين.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
18 مايو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.