التوابون الجدد

التوابون الجدد
حين يصبح البكاء أيديولوجيا والثأر بديلًا عن السياسة
عام ٦٨٤م، خرج نحو أربعة آلاف رجل من الكوفة يحملون السيوف والندم معاً كانوا يسمّون أنفسهم “التوابين“، وكان ذنبهم واضحاً في أذهانهم: خذلوا الحسين بن علي يوم كربلاء، وقعدوا عن نصرته حين كتبوا له آلاف الرسائل يدعونه للقدوم حين وصلوا إلى عين الوردة في منطقة رأس العين الحالية شمال سوريا، واجهوا جيش الأمويين فهُزموا هزيمة ساحقة، وسقط معظمهم قتلى لم يثأروا لأحد، ولم يُغيّروا شيئاً، ولم يبنوا ما يدوم. أنتجوا دماءً وأنتجوا أساطير، وتركوا الواقع على حاله.
اليوم، في أكثر من عاصمة، تتكرر الظاهرة بأثواب مختلفة. لكن قبل المضي، ثمة تمييز جوهري لا يمكن تجاوزه.
تمييز ضروري: لا نتحدث عن نظام بأكمله
حين نرصد ظاهرة “التوابين الجدد“، لا نتحدث عن النظام الإيراني بمجمله، ولا عن التيارات الشيعية السياسية كتلة واحدة صماء في طهران كما في بيروت كما في بغداد، ثمة مستويات متعددة لا يجوز خلطها:
ثمة السياسيون البراغماتيون الذين يعرفون أن الدولة لا تُدار بالشعارات، وقد أثبتوا ذلك في محطات عديدة حين اختاروا التفاوض على الانهيار.
وثمة رجال الدين العقلاء الذين يميزون بين ثوابت العقيدة ومتغيرات السياسة، ويدركون أن “أحكام الضرورة” ليست تنازلاً عن الدين بل جزء أصيل منه.
وثمة الكوادر الوطنية التي تضع مصلحة البلد فوق مصلحة التيار، وتعرف أن الاستمرار يحتاج إلى شرعية داخلية لا مجرد خطاب خارجي.
غير أن هذه المستويات جميعها تعاني من ظاهرة طارئة تنمو في أحضانها وتُشوّه صورتها وتُعطّل قرارها: إنهم المتشدقون، أولئك الذين يحتلون المنابر ويصادرون الخطاب ويُقدّمون أنفسهم باعتبارهم الصوت الأصيل للتيار، فيما هم في الحقيقة أكثر من يُضرّ به.
هؤلاء المتشدقون هم “التوابون الجدد” الذين تُعنى بهم هذه المقالة.
أولاً: التشخيص — من هم “التوابون الجدد”؟
النمط السلوكي الذي يميز هؤلاء المتشدقين ليس غامضاً، بل يمكن رصده بثلاث سمات واضحة.
السمة الأولى: تحويل الفشل إلى خطاب.
حين تخسر الانتخابات، يُقال “المؤامرة الخارجية”. حين ينهار الاقتصاد، يُقال “الحصار الظالم”وحين يسقط حليف استراتيجي، يُقال “الاستشهاد المقدس”. لا توجد هزيمة تُسمّى هزيمة، ولا خطأ يُسمّى خطأً. كل نتيجة سلبية تجد تفسيراً خارجياً يُعفي القيادة من المساءلة ويُعفي الأتباع من التفكير.
والمفارقة أن هذا الخطاب لا يخدم التيار الذي يدّعي الدفاع عنه. حين تُحوَّل كل هزيمة إلى “مؤامرة كونية”، يُعفى المسؤولون من تقديم الحساب، وتُهدر فرصة المراجعة، ويتراكم الفشل فوق الفشل. البراغماتيون داخل هذه الأنظمة يعرفون ذلك جيداً، وكثيراً ما يعانون من هذا الخطاب قبل أن يعاني منه خصومهم.
السمة الثانية: تجريم السؤال.
في هذا النمط، يُوصف أي نقد داخلي بالخيانة، وأي مراجعة فكرية بالردة العملية، وأي اجتهاد مختلف بضعف الإيمان
هذا الإغلاق لا يُصيب الخصوم فحسب، بل يُصيب قبلهم العقلاء داخل التيار ذاته. المرجعيات الدينية الرصينة التي تحاول فتح نقاش فقهي جاد حول “فقه الأولويات” أو “مآلات الأفعال” كثيراً ما تجد نفسها في مواجهة هؤلاء المتشدقين قبل أن تواجه أي خصم خارجي.
السمة الثالثة: ثقافة الانتظار.
انتظار المخلّص، انتظار الفرصة الغيبية، انتظار تحوّل موازين القوى الدولية، بدلاً من بناء مؤسسات وصياغة سياسات وتطوير كفاءات. وهذه الثقافة بالذات هي ما يرفضه البراغماتيون داخل هذه الأنظمة، لأنهم يعرفون أن الدول التي تنتظر المعجزات تخسر الفرص التي تصنعها الإرادة.
ثانياً: التفسير — لماذا يتمدد المتشدقون؟
الظاهرة لا تستمر بالصدفة ثمة أسباب بنيوية تُديمها وتمنح هؤلاء المتشدقين قوةً تفوق حجمهم الحقيقي.
السبب الأول: اقتصاد الضحية.
للضحية امتيازات رمزية حقيقية: التعاطف الشعبي، والإعفاء من المساءلة، والقدرة على تعبئة الأتباع عاطفياً. المتشدق يعيش على هذا الاقتصاد ويُديمه، لأن خروجه من دور الضحية يعني خسارة رأسماله الرمزي كله. أما السياسي البراغماتي فهو مضطر أحياناً للخروج من هذا الدور حين تستدعي الضرورة، وهو ما يجعله دائماً هدفاً لاتهامات المتشدقين بالتفريط والتنازل.
السبب الثاني: غياب المحاسبة المؤسسية.
حين لا توجد محاكم مستقلة ولا صحافة حرة ولا هيئات رقابية فعّالة، تصبح المساءلة رهينة موازين القوى لا رهينة الحقائق
في هذا الفراغ يزدهر المتشدق، لأنه لا يواجه اختباراً جدياً من الواقع الفارق بينه وبين البراغماتي أن البراغماتي يحتاج نتائج يقدّمها، فيما يكتفي المتشدق بخطاب يُطلقه.
السبب الثالث: التعليم الديني المنفصل عن الواقع.
حين يُدرَّس الفقه السياسي الإسلامي كأحكام مجردة منفصلة عن سياقاتها التاريخية ومقاصدها الكلية، تتحول مفاهيم جوهرية كـ”فقه الأولويات” و”أحكام الضرورة” و”مآلات الأفعال” إلى مصطلحات مجهولة أو مشبوهة. والنتيجة أجيال تحفظ الشعارات ولا تفهم الآليات، فيصبح المتشدق المبسِّط أكثر إقناعاً من الفقيه الرصين المعقّد.
ثالثاً: العلاج — ما البديل الواقعي؟
ثمة إغراء دائم حين نواجه تطرفاً: البحث عن حل . شخصية حاسمة تقطع الطريق على الفوضى بيد من حديد، على نمط المختار الثقفي! بذكائه السياسي، أو الحجاج بن يوسف! بصرامته في فرض النظام.
لكن كلا النموذجين أنتج استقراراً مؤقتاً قائماً على الخوف، ثم انفجاراً أعمق حين زال المحرّك الشخصي. والأهم أن هذا الحل يُلحق الضرر بالجميع: بالمتشدقين المستهدفين، وبالبراغماتيين العقلاء، وبمؤسسات الدولة التي تحتاج إلى شرعية لا إلى بطش.
البديل الناجح يقوم على ثلاث ركائز تخدم الجميع، بمن فيهم العقلاء داخل هذه الأنظمة أنفسهم.
الركيزة الأولى: قضاء مستقل وفاعل.
القضاء المستقل هو الأداة الوحيدة القادرة على الفصل بشكل مشروع بين المعارضة الفكرية المشروعة والعنف غير المشروع، وبين الاجتهاد السياسي المقبول والتحريض المرفوض. وهو الضمانة الوحيدة التي تحمي البراغماتيين داخل هذه الأنظمة من ابتزاز المتشدقين أنفسهم.
الركيزة الثانية: إعلام حر ومهني.
الإعلام الحر لا يُقارب هذه التيارات بتبجيل ولا بعداء مسبق، بل بالأدوات المهنية ذاتها: التحقق من الادعاءات، والتمييز بين أصوات التيار المختلفة، وكشف التناقضات بين الخطاب والأداء. إعلام كهذا يُضيق الهواء أمام المتشدق، ويمنح مساحة أوسع للأصوات العقلانية داخل التيار ذاته.
الركيزة الثالثة: تعليم ديني متجدد.
وهذه الركيزة هي الأبطأ أثراً والأعمق تأثيراً حين يتعلم طالب الفقه أن “مقاصد الشريعة” منهج للتفكير لا مجرد شعار، وأن “أحكام الضرورة” ضابط للتعامل مع الواقع المعقد لا باب للفوضى، يتغير إطاره المرجعي كله وهذا التغيير هو تحديداً ما يسعى إليه المعتدلون داخل هذه الأنظمة، ويجد فيه البراغماتيون حليفاً طبيعياً.
خاتمة: من الضفة إلى القصيدة
عاد أوزلمي الشاعر التركي إلى قريته بعد أن ابتلع السيل زوجته أمام عينيه وهو عاجز عن إنقاذها كان يمكنه أن يقف على ضفة النهر إلى الأبد يبكي ويندب ويطالب بالثأر من الماء والريح والقدر. لكنه حوّل مأساته إلى قصيدة باقية تتجاوزه ويتجاوز السيل.
الفارق بين من يكتب قصيدة ومن يبقى على الضفة يبكي ليس في حجم الألم، فالألم واحد. الفارق في قرار واحد صعب: هل تتحول المأساة إلى وقود للبناء، أم إلى ذريعة للجمود؟
هذا السؤال لا يواجهه خصوم هذه الأنظمة فحسب، بل يواجهه العقلاء داخلها قبل غيرهم والمفارقة أن المتشدقين الذين يدّعون الدفاع عن التيار هم أول من يُعيق هذا التحول، لأن بقاءهم على الضفة يباكون ويُشعلون شعارات الثأر هو شرط وجودهم، لا الانتقال إلى بناء ما يدوم.
الإجابة لن تأتي من مختار جديد يحشد الغضب، ولا من حجاج جديد يفرض الصمت. ستأتي من قضاء يحاسب بالقانون، وإعلام يكشف بالحقيقة، وتعليم يبني بالعقل.
لأن الثأر بلا خطة لا يُنتج عدالة، والبكاء بلا مراجعة لا يُنتج تغييراً، والشعار بلا مؤسسة لا يُنتج وطناً.
محمد العيسى