كُتاب الرأي

حضرموت… قرنٌ من الدوران في حلقة التيه الكبرى!

حضرموت… قرنٌ من الدوران في حلقة التيه الكبرى!

مئة عام كاملة وحضرموت تُسحب من مشروع إلى مشروع، ومن وصاية إلى وصاية، ومن وعود إلى سراب… بينما الإنسان الحضرمي يدفع الثمن وحده، أرضًا وثروةً وكرامةً ومستقبلًا.

مئة سنة والحضارم يعيشون داخل دائرة مغلقة أشبه بـ“حلقة الفقر السياسي”، كلما اقتربوا من الخروج منها أعادتهم القوى المتصارعة إلى نقطة البداية. تتغير الأسماء، وتتبدل الرايات، لكن النتيجة واحدة: حضرموت تُستنزف، والحضرمي يُقصى، وثروات الأرض تُنهب باسم الوحدة حينًا، وباسم الشرعية حينًا، وباسم المشاريع المستوردة حينًا آخر.

حضرموت التي كانت يومًا مركزًا تجاريًا وعلميًا وروحيًا يمتد أثرها من الجزيرة العربية إلى شرق أفريقيا والهند وشرق آسيا، تحولت بفعل العبث السياسي إلى ساحة مفتوحة للتجارب والفوضى وتقاسم النفوذ. وكأن قدر هذه الأرض أن تبقى معلقة بين الأطماع، لا يُسمح لها بأن تنهض ولا أن تمتلك قرارها الحقيقي.

الأجيال تتغير… لكن المشهد ذاته يتكرر بصورة مؤلمة:
وعود بالتنمية ثم انهيار،
شعارات بالشراكة ثم إقصاء،
حديث عن السيادة ثم تهميش،
ومطالب حضرمية مشروعة تُقابل دائمًا بالتخوين أو التسويف أو الاحتواء المؤقت.

والأخطر من ذلك كله… أن البعض يريد للحضرمي أن يعتاد هذا الواقع، وأن يتعامل مع الانهيار وكأنه “الوضع الطبيعي”، بينما الحقيقة أن ما تعيشه حضرموت ليس طبيعيًا أبدًا، بل نتيجة تراكم قرن كامل من إدارة الأزمات لا حلّها.

اليوم حضرموت تقف أمام لحظة مفصلية لا تحتمل المجاملات ولا أنصاف الحلول. فإما أن يكسر الحضارم هذه الحلقة التاريخية المغلقة بإرادة موحدة ومشروع واضح يحفظ الأرض والهوية والقرار والثروة، وإما أن يستمر الدوران لعقود أخرى حتى تضيع الأجيال القادمة داخل المتاهة نفسها.

لم يعد مقبولًا أن تبقى حضرموت خزّانًا للثروات ومكبًا للأزمات في الوقت ذاته. ولم يعد مقبولًا أن يُطلب من الحضرمي الصبر بينما تُهدر الفرص أمامه عامًا بعد عام.

إن الشعوب التي لا تواجه الحقيقة تبقى أسيرة التاريخ، أما الشعوب التي تمتلك شجاعة القرار فهي وحدها القادرة على صناعة المستقبل.

وحضرموت اليوم لا ينقصها التاريخ، ولا الرجال، ولا العمق الحضاري… بل ينقصها فقط كسر حاجز التردد، والخروج من الحلقة التي أُريد لها أن تبقى فيها قرنًا كاملًا.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
13 مايو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى