كُتاب الرأي
معارك النسمة الأخيرة: ما خلف جدران السكينة
معارك النسمة الأخيرة: ما خلف جدران السكينة
في زاويةٍ هادئة من المسجد، يقف الإمام كل يوم شاهدًا على مشهدٍ لا يتكرر في تفاصيله، لكنه يتشابه في جوهره؛ مشهد يجمع بين عبادةٍ خاشعة واختلافٍ بشري لا ينتهي. فالمسجد، وإن كان بيتًا للسكينة، إلا أنه أيضًا مرآةٌ تعكس طبائع الناس وتباين احتياجاتهم.
يبدأ الأمر بسيطًا… مصلٍّ يدخل المسجد فيجد الجو خانقًا، فيسارع بفتح النوافذ، باحثًا عن نسمة هواء تُعينه على الخشوع. وفي المقابل، يقف آخر متألّـمًا من برودة المكيّف، يضع يده على مفاصله ويبحث عن زر الإغلاق كمن يبحث عن طوق نجاة من ألمٍ مزمن. وبين هذا وذاك، يقف الإمام حائرًا؛ أيُرضي هذا أم ذاك، وأين يكمن التوازن؟!
ليست القضية في نافذةٍ تُفتح أو جهازٍ يُطفأ، بل في غياب إدراكٍ أعمق لمعنى المشاركة في المكان. فالمسجد ليس ملكًا لفرد، ولا تُدار أجواؤه وفق مزاج شخصٍ واحد، بل هو مساحة مشتركة تتطلب قدرًا من التفاهم والتنازل.
الإمام، الذي يُظن أنه يقود الصلاة فقط، يجد نفسه أحيانًا وسيطًا اجتماعيًّا، يُهدّئ الخواطر، ويستمع للشكاوى، ويبحث عن حلولٍ ترضي الجميع… أو على الأقل، تُخفف من حدة الخلاف. لكنه في قرارة نفسه يدرك أن الحل لا يكمن في التحكّم بدرجة حرارة المكيّف، بل في رفع درجة الوعي.
ما بين حرارة الأجساد وبرودة الأجهزة، تبقى حرارة القلوب هي العامل الحاسم. حين يتفهّم المصلّي حال أخيه، ويقدّر ظروفه، ويقدّم شيئًا من التنازل، يتحول المسجد إلى بيئةٍ أكثر رحمة واتزانًا.
لعل رسالة الإمام غير المعلنة لكل مصلٍّ هي:
“كما جئت لتعبد الله، تذكّر أنك بين عباد الله… فارفق بهم، يُرفق بك.”
وفي النهاية، تبقى هذه المواقف الصغيرة درسًا يوميًّا في التعايش، يذكّرنا بأن العبادة لا تكتمل فقط بالركوع والسجود، بل بحسن الخلق أيضًا.


