كُتاب الرأي

هرمز… وحوار الطرشان الكبير!

هرمز… وحوار الطرشان الكبير!

كيف تُدار الحرب الأمريكية – الإيرانية لإخضاع الصين وإنقاذ الدولار الأمريكي؟

حين كتبتُ مقالي بعنوان “حوار الطرشان” بتاريخ 13 مايو 2026، كنت أتحدث عن ذلك المشهد العبثي الذي يملأ الشاشات بالتهديدات والصراخ والوعيد، بينما تتحرك المصالح الحقيقية خلف الستار بهدوء شديد.

ثم عدتُ بتاريخ 14 مايو 2026 في مقالي عن “مضيق هرمز” لأتحدث عن أن العالم بات يعيش تحت رحمة شريان بحري واحد يمكنه أن يخنق الاقتصاد العالمي في أي لحظة، وأن مجرد التلويح بإغلاقه أصبح أداة ابتزاز دولي هائلة.

لكن ما يحدث اليوم يكشف أن المقالين لم يكونا منفصلين أبدًا…
بل كانا وجهين لخطة عالمية أكبر بكثير من مجرد حرب أمريكية إيرانية تقليدية.

فالعالم انشغل طويلًا بالسؤال السطحي:
هل ستضرب أمريكا إيران؟
هل ستغلق إيران مضيق هرمز؟
هل ستندلع حرب شاملة؟

بينما السؤال الحقيقي الذي كان يجب أن يُطرح منذ البداية هو:
من المستفيد الأكبر من إبقاء العالم خائفًا من هرمز؟

هنا تبدأ الصورة الحقيقية بالظهور.

فما نشاهده اليوم ليس مجرد صراع عسكري أو خلاف سياسي، بل عملية إعادة تشكيل كاملة للنظام الاقتصادي العالمي، تُستخدم فيها الطاقة والممرات البحرية والعملات الدولية كسلاح جيوسياسي ضخم.

لقد تحولت إيران إلى لاعب يجيد استثمار “الخوف” أكثر من استثمار الحرب نفسها.
فمجرد التلويح بإغلاق هرمز يمنحها وزنًا سياسيًا وإعلاميًا يتجاوز قدراتها العسكرية الفعلية.

وفي المقابل، تدرك أمريكا أن بقاء هرمز في حالة “لا حرب ولا سلام” يمنحها فرصة ذهبية لإعادة ترتيب الاقتصاد العالمي وفق مصالحها.

فواشنطن اليوم ليست مجرد دولة تحمي الملاحة كما كانت تدّعي لعقود، بل أصبحت واحدة من أكبر مصدري الطاقة في العالم، وتسعى لتحويل النفط والغاز إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي عالمي.

ولذلك فإن إبقاء الخليج تحت التوتر المستمر يخدم أمريكا من عدة زوايا خطيرة:

أولًا: رفع أسعار النفط عالميًا بما يخدم صادرات الطاقة الأمريكية.

ثانيًا: دفع أوروبا وآسيا للاعتماد بشكل أكبر على الطاقة الأمريكية.

ثالثًا: خنق الصين اقتصاديًا، لأن بكين تعتمد بشكل هائل على نفط الخليج، وأي اضطراب طويل في هرمز يعني استنزافًا اقتصاديًا وصناعيًا خطيرًا لها.

ومن هنا نفهم لماذا أصبح الحوار الأمريكي الصيني اليوم مرتبطًا بهرمز أكثر من ارتباطه حتى بتايوان أو بحر الصين الجنوبي.

فالرسالة الأمريكية تبدو واضحة:
إما أن تدخل الصين في ترتيبات اقتصادية وتجارية تخدم الرؤية الأمريكية… أو ستبقى رهينة لممرات الطاقة الملتهبة.

ولهذا لم يعد مستبعدًا أن يتحول النفط الأمريكي نفسه إلى سلاح ابتزاز اقتصادي عالمي.

بل إن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا حين نتحدث عمّا يمكن تسميته بـ “النفط الأمريكي المسرّق”.

فواشنطن التي تحاصر فنزويلا بالعقوبات منذ سنوات تعرف جيدًا كيف تعيد تدوير النفط الفنزويلي داخل السوق العالمية بصورة غير مباشرة، ثم تعود لاحقًا لتقدم نفسها باعتبارها المنقذ الوحيد لأسواق الطاقة العالمية.

وهنا تتضح زاوية أخطر في المشهد كله…

فما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بالنفط أو هرمز أو حتى الصين، بل يتعلق أيضًا بمحاولة أمريكية ضخمة لإعادة الاعتبار للدولار الأمريكي بعد أن بدأ بريقه يتعرض للاهتزاز عالميًا.

لقد أدركت واشنطن أن مشروع “بريكس” لم يعد مجرد تكتل اقتصادي عابر، بل تحول إلى مشروع سياسي واقتصادي يسعى تدريجيًا لكسر هيمنة الدولار على التجارة العالمية، خصوصًا تجارة النفط والطاقة.

وهنا مكمن الخطر الحقيقي بالنسبة لأمريكا.

فقوة واشنطن لم تكن يومًا قائمة على الجيش فقط، بل على حقيقة أن العالم كله يحتاج الدولار لكي يعيش ويتاجر ويشتري الطاقة.

لكن حين بدأت بعض الدول تتحدث عن بيع النفط بعملات محلية، وحين دفعت الصين وروسيا نحو تقليل الاعتماد على الدولار، وحين توسع “بريكس” ليضم قوى وأسواقًا وموارد هائلة… بدأت واشنطن تشعر أن النظام الذي بنته بعد الحرب العالمية الثانية يتعرض لاهتزاز غير مسبوق.

ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من التصعيد العالمي الحالي.

فخلق حالة خوف دائمة حول الطاقة والممرات البحرية، وإبقاء الاقتصاد العالمي تحت الضغط، ورفع مستوى التوترات الجيوسياسية… كلها عوامل تدفع الدول والمستثمرين للعودة إلى الدولار باعتباره “الملاذ الآمن”.

أي أن العالم كلما خاف أكثر… عاد أكثر إلى الدولار.

وهنا تصبح الفوضى نفسها أداة مالية.

ولذلك فإن الضغط على الصين، ومحاولة إنهاك الاقتصادات الصاعدة، والسعي لتفتيت “بريكس” أو إضعافه، ليست أحداثًا منفصلة، بل أجزاء من معركة أكبر هدفها إبطاء تشكل عالم متعدد الأقطاب اقتصاديًا وماليًا.

فالولايات المتحدة تدرك جيدًا أن سقوط هيمنة الدولار لا يعني مجرد خسارة اقتصادية… بل بداية تراجع الإمبراطورية الأمريكية نفسها.

ولهذا قد لا يكون الهدف الحقيقي إنهاء الأزمات بسرعة…
بل إبقاء العالم معلقًا بين الخوف والطاقة والدولار.

أما السؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح اليوم فليس:
هل يُغلق هرمز؟

بل:
من المستفيد فعلًا من أن يبقى العالم كله خائفًا من إغلاقه؟

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
16 مايو 2026

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.