ما بعد الحرب الأمريكية ـ الإيرانية … ( 2 )

ما بعد الحرب الأمريكية ـ الإيرانية … ( 2 )
إعادة رسم موازين القوى
رؤية تحليلية استراتيجية .
تتجه الأنظار عادة إلى ميادين القتال عند اندلاع الحروب، غير أن التاريخ يؤكد أن النتائج الأهم تتشكل بعد هدوء المدافع. ومن هذا المنظور، تبدو الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة أقرب إلى محطة لإعادة رسم موازين القوى والنفوذ في الشرق الأوسط منها إلى مجرد مواجهة عسكرية محدودة الأهداف والزمن.
تكشف التجارب الاستراتيجية أن الحروب الكبرى لا تنتهي عند حدود الميدان، بل تفتح أبوابًا واسعة لإعادة ترتيب المصالح والتحالفات ومراكز التأثير. ولهذا تتجاوز أهمية الحرب الحالية نتائج القصف المتبادل المباشر لتشمل مستقبل التوازنات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية التي سترسم ملامح المنطقة خلال السنوات المقبلة.
اعتمد النظام الإيراني طوال عقود على توسيع نفوذه الإقليمي عبر مزيج من القدرات الصاروخية والأذرع المسلحة الإرهابية والشبكات المنظمة المرتبطة بالحرس الثوري ووزارة الإستخبارات في عدد من الساحات الإقليمية. وقد وفرت هذه الأدوات لطهران أوراق ضغط إجرامية مؤثرة ومجالات حركة واسعة خارج حدودها، إلا أنها أسهمت في المقابل في تعميق المخاوف الأمنية لدى كثير من دول المنطقة وغيرها، ووسعت فجوة الثقة بينها وبين المجتمع الدولي، وأبقت عدة ساحات إقليمية رهينة لدورات متكررة من التوتر وعدم الاستقرار.
ومع مرور الوقت برزت مفارقة استراتيجية لافتة؛ فالأدوات التي استخدمت لتعزيز النفوذ أصبحت أحد أبرز أسباب الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية على إيران. كما أدى اتساع دور الوكلاء الإرهابيين المسلحين إلى ربط صورة النفوذ الإيراني في أذهان كثير من العواصم بمفاهيم الصراع وعدم الاستقرار أكثر من ارتباطها بالتعاون والتنمية، الأمر الذي ضيق هامش الحركة السياسية ورفع تكلفة المحافظة على النفوذ ذاته الذي سعت طهران إلى ترسيخه لعقود.
ومن هنا لم يعد الجدل الدولي يتركز على البرنامج النووي أو القدرات العسكرية الإيرانية وحدها، بل إمتد إلى طبيعة الدور الإقليمي الذي يمكن أن تمارسه إيران مستقبلًا وحدود هذا الدور ومدى توافقه مع متطلبات الإستقرار الإقليمي وأمن الممرات البحرية وسلامة التجارة الدولية. ولهذا تبدو الضغوط السياسية والعسكرية والدبلوماسية الراهنة جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تعريف قواعد النفوذ وحدود الحركة في المنطقة أكثر من كونها استجابة لأزمة آنية راهنة أو ملف منفرد.
وتشير القراءة الأولية لمسار الحرب إلى أن الكفة الاستراتيجية تميل تدريجيًا نحو الدول التي بنت نفوذها على الاستقرار والتنمية والشراكات الموثوقة، بينما تواجه النماذج القائمة على التوسع عبر الوكلاء الإرهابيين المسلحين تحديات متزايدة في المحافظة على النفوذ الذي سعت إلى ترسيخه طوال العقود الماضية. فالعالم يتجه بصورة متسارعة نحو حماية الاستقرار الاقتصادي وأمن سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وتقليص مصادر المخاطر المزمنة التي تهدد الأسواق والممرات الحيوية.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تتجه إلى مغادرة المنطقة بقدر ما تتجه إلى إعادة صياغة أسلوب حضورها الاستراتيجي فيها، عبر توظيف التفوق التكنولوجي والقوة البحرية والجوية والشراكات الإقليمية، مع تقليل الأعباء المباشرة دون التخلي عن المصالح الحيوية المرتبطة بأمن الطاقة واستقرار الملاحة الدولية. كما تتابع الصين وروسيا هذه التحولات باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لموازين النفوذ في النظام الدولي، حيث ينعكس كل تغير في توازنات الشرق الأوسط بصورة مباشرة على حسابات القوى الكبرى ومصالحها العالمية.
لهذا قد لا تتمثل النهاية المنظورة للحرب في إعلان انتصار كامل لطرف أو هزيمة مطلقة لآخر، بل في نشوء مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة قواعد الردع وحدود النفوذ وأسس التوازن الإقليمي. فالسؤال الأهم لم يعد من كسب جولة القتال الأخيرة، بل من سيملك القدرة على التأثير في شكل الشرق الأوسط الذي سيخرج من وسط هذه الأزمة.
والمؤكد أن المنطقة التي ستلي هذه الحرب لن تكون نسخة مطابقة لما سبقها؛ إذ تخضع موازين النفوذ التي تشكلت عبر عقود طويلة لعملية مراجعة واختبار وإعادة تعريف. وستتحدد مكانة القوى الإقليمية مستقبلاً بقدرتها على إنتاج الاستقرار وبناء الشراكات وتحقيق التنمية بقدر ما تتحدد بما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية.
الحروب تحسم مواقع الجيوش مؤقتًا… أما موازين القوى الحقيقية فتتشكل في السنوات التي تليها.
اللواء البحري الركن / م .
عبدالله بن سعيد الغامدي
الجمعة (22) مايو 2026م .
