من منصة فينيكس إلى قمة الابتكار

من منصة فينيكس إلى قمة الابتكار
كيف رسخت السعودية مكانتها كثاني دولة عالمياً في «آيسف 2026»؟
عصام يحيى الفيلالي
عضو هيئة تدريس سابق / جامعة الملك عبدالعزيز
تحت شمس أريزونا الحارقة، وفي قلب مدينة فينيكس، التقى أكثر من 1700 طالب وطالبة من 70 دولة في محفل علمي عالمي هو الأكبر من نوعه لمرحلة ما قبل الجامعة، ليرفعوا شعار الابتكار والعلم لخدمة البشرية. لكن حين انتهت فعاليات معرض ريجينيرون الدولي للعلوم والهندسة «آيسف 2026»، كان النصر حليف المملكة العربية السعودية التي تمكنت من حجز مكانها كثاني دولة على مستوى العالم من حيث عدد الجوائز الكبرى، في إنجاز سعودي جديد يضاف إلى سجل الابتكارات والإنجازات.
هذا المقال يشرح أبعاد هذا الإنجاز وأهميته، ويدعو إلى التفكير بجدية حول كيفية بناء مستقبل مليء بالعلماء والمبتكرين.
قبل تحليل هذا الإنجاز ، يجدر بنا التعريف بهذا المحفل العلمي العملاق. يعد معرض «آيسف» الذي تنظمه «Society for Science» (مجتمع العلوم)، واحدًا من أعرق المسابقات العلمية العالمية، حيث يتخصص في عرض المشاريع البحثية والابتكارية في مجالات العلوم والهندسة لطلبة التعليم العام.
ما يميز هذا المعرض أنه ليس مجرد معرض عابر، بل محطة أساسية في مسيرة أي باحث شاب، حيث تتنافس المشاريع تحت إشراف أكثر من 1200 محكم دولي من الخبراء والعلماء في 22 مجالًا علميًا حيويًا تشمل الطاقة، والذكاء الاصطناعي، والعلوم الطبية، والبيئة، وعلم المواد وغيرها. وفي هذا العام، بلغ إجمالي قيمة الجوائز المقدمة للمبدعين الصغار أكثر من 7 ملايين دولار، مما يعكس المكانة الرفيعة لهذه البطولة العالمية.
لكن الأهم من الجوائز المالية، أن الفوز في هذا المحفل بمثابة «ختم جودة» عالمي للمبتكرين الصغار، يعزز فرص قبولهم في أفضل الجامعات ويضع أقدامهم على أول الطريق نحو تغيير العالم.
استطاع المنتخب السعودي للعلوم والهندسة بجدارة أن يحصد المركز الثاني عالمياً لجهة عدد الجوائز الكبرى، متفوقاً على دول كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ومؤكدًا بذلك قدرة الناشئة السعودية على المنافسة بقوة في ميادين البحث العلمي.
الطلبة والطالبات السعوديون لم يكتفوا بالمشاركة، بل قدموا مشاريع نوعية حصدت 12 جائزة كبرى موزعة بتنوع ملفت: جائزة مركز أول، وأربع جوائز مركز ثان، وخمس جوائز مركز ثالث، وجائزتي مركز رابع، إلى جانب 12 جائزة خاصة من مؤسسات عالمية مرموقة تؤكد على القيمة البحثية والتطبيقية لهذه المشاريع.
في أحد أكثر المشاهد إلهامًا، حصدت المملكة المركز الأول عالمياً في مجال علم الأحياء الحسابي والمعلوماتية (Computational Biology and Bioinformatics), مما يعكس قدرة العقول السعودية على التوغل في أعقد مجالات المستقبل. كما توزعت الإنجازات بين طالبات متميزات مثل دالين قدير (المركز الثاني في علوم الأرض والبيئة)، ومنيرة الرومي (المركز الثاني في علم المواد)، وسجى السلمي (المركز الثاني في الطب الانتقالي)، مما يؤكد حضور المرأة السعودية الفاعل في المشهد العلمي والبحثي.
الإنجاز الكبير في «آيسف 2026» ليس مفاجأة عابرة، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية وأرضية خصبة تم إعدادها بعناية منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. الشراكة الفريدة بين «موهبة» ووزارة التعليم، والتي بدأت منذ عام 2007، شكلت البنية التحتية لرعاية الموهوبين وصولًا إلى هذا المستوى المتقدم من التميز.
«موهبة» أسست منظومة متكاملة لاصطياد المواهب ورعايتها بدءًا من الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي «إبداع»، الذي شارك فيه هذا العام أكثر من 357 ألف طالب وطالبة قدموا أكثر من 34 ألف مشروع علمي، ليتم اختيار النخبة للمشاركات الدولية.
إلى جانب ذلك، يبرز دور جامعة الملك فهد للبترول والمعادن (KFUPM) ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST) كحاضنات داعمة. طلاب KFUPM تمكنوا من اقتناص 7 من أصل 12 جائزة من الجوائز الكبرى للمنتخب السعودي (ما نسبته 58%)، بينما أطلقت KACST جوائز خاصة لأول هذا العام لدعم الطلبة المبدعين في مجالات الحواسيب العصبية والطاقة والاستدامة.
كل ذلك يحدث ضمن رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي جعلت الاستثمار في رأس المال البشري وتعزيز البحث والابتكار ركيزة أساسية نحو اقتصاد معرفي منافس عالميًا ومتنوع المصادر.
لكن السؤال الأهم: كيف نحافظ على هذا الزخم وندعم استدامته؟
الإجابة تتلخص في بعض النقاط الجوهرية: تطوير بيئة تشريعية محفزة للابتكار، وزيادة الشراكات مع القطاع الخاص لتوفير التمويل، وأهم من ذلك كله، تحويل ثقافة المجتمع نحو تقدير البحث العلمي كأحد خيارات النجاح الأساسية والمرموقة اجتماعيًا، إلى جانب خلق مسارات وظيفية داخل الشركات الوطنية لاستقطاب هؤلاء المبدعين بعد تخرجهم.
إن إنجاز المملكة في «آيسف 2026» هو أكثر من مجرد جوائز وأرقام؛ إنها رحلة تحول وطني عميق بدأت بزرع بذرة الاهتمام بالعلم والعلماء، وسقيت بدعم القيادة والجهات المعنية، لتثمر اليوم جيلاً من الشباب القادر على منافسة العالم والإبهار فيه. هذه الجائزة هي خطوة عملاقة تقرب المملكة أكثر فأكثر من مصاف الدول المتقدمة في مجالات المعرفة والابتكار، بل تضعها في طليعة هذه الدول. وعلينا جميعًا أن ندرك أن ما تحقق هو مجرد البداية الحقيقية لدور ريادي سعودي واعد في تشكيل مستقبل العلم والتكنولوجيا.
كاتب رأي