مقابرُ الحنينِ في هواتفِنا

مقابرُ الحنينِ في هواتفِنا
حصه محمد الجهني
في ساعةٍ متأخرة من الليل، وبين صمتٍ ثقيل لا يقطعه سوى ضوء الهاتف الخافت ، أخذت أتصفح جهات الاتصال بلا هدف.
أمرّر الأسماء ببطء… حتى توقفت روحي قبل أصابعي.
هناك أسماءٌ لم تعد على هذه الأرض.
أرقامٌ ما زالت محفوظة كما هي، بينما أصحابها تحت التراب.
يا الله…
ما أقسى أن يبقى الرقم، ويرحل الصوت.
أن تظل الصورة تبتسم لك، بينما صاحبها غائبٌ إلى الأبد.
توقفت عند أحد الأسماء، فرأيت المحادثات التي كانت بيننا.
تاريخٌ قديم، لكنه فجأة بدأ قريبًا جدًا، كأن الزمن انكمش دفعةً واحدة.
تذكرت صوته… طريقته في السلام… ضحكته التي كانت تمرّ على القلب كطمأنينةٍ خفيفة.
ثم أدركت الحقيقة التي نحاول دائمًا الهرب منها ! لن يتصل مرةً أخرى.
كم هو موجع أن يتحول الإنسان من شخص ننتظر رسائله إلى ذكرى محفوظة داخل هاتف.
ومن صوتٍ يملأ أيامنا… إلى دعاء.
أقارب كانوا يملؤون البيوت دفئًا، ثم رحلوا فجأة، فبردت أماكنهم في المجالس ولم يدفأها أحد بعدهم.
وبعضها أيقظ صداقاتٍ قديمة، رحل أصحابها قبل أن نعتذر، أو نشكر، أو حتى نقول لهم:
“ابقوا قليلًا… فنحن لم نشبع منكم بعد.”
لكن أكثر الأسماء وجعًا… أسماء الأحبة.
أولئك الذين لا يرحلون حقًا، بل يسكنوننا بعد موتهم أكثر.
يمر اسم أحدهم أمامك، فتشعر أن قلبك تعثر بشيءٍ قديم ما زال ينزف في داخلك.
تتذكر حديثًا عابرًا، أو رسالة قصيرة، أو ضحكةً كنت تظنها عادية… ثم تكتشف بعد الفقد أن الأشياء الصغيرة كانت عمرًا كاملًا.
الغريب أن الهاتف لا يفهم معنى الموت.
لا يحذف الراحلين، ولا يخبرك أنهم لن يعودوا.
يبقي أسماءهم مضيئةً بين الجميع، كأن الحياة توقفت عند آخر لقاء.
وأنا أتصفح تلك الأسماء شعرت أنني لا أقلب جهات اتصال… بل أقلب مقبرة من الذكريات.
كل اسمٍ فيها يحمل حياةً كاملة، وضحكات، وعتابًا، وأيامًا لن تتكرر.
توقفت طويلًا عند اسمٍ كنت أهرب من رؤيته دائمًا.
شخصٌ كنت أظن أن وجوده في حياتي أمرٌ بديهي، مثل الهواء تمامًا.
ثم رحل…
ورحل معه جزءٌ مني لم يعد كما كان.
كم نحن غافلون عن هشاشتنا.
نؤجل الكلام الجميل، نظن أن الوقت طويل، وأن الذين نحبهم سيبقون دائمًا في أماكنهم المعتادة.
لكن الموت لا يطرق الباب ليستأذن، يأتي فجأة… ويتركنا مذهولين أمام أشياء صغيرة جدًا !
رقم هاتف، محادثة قديمة، صورة، أو عبارة.. آخر ظهور !
أصعب ما في الفقد ليس الرحيل نفسه ،
إنما تلك التفاصيل التي تبقى حيّة بعده.
أن ترى الاسم ولا تجد صاحبه،
أن تشتاق لصوتٍ تعرف يقينًا أنك لن تسمعه مجددًا، أن تحتاج شخصًا بكل قلبك… ثم تتذكر أن بينك وبينه قبرًا.
ومع ذلك، لا نحذف الأرقام.
نبقيها كما هي، كأننا نحاول إنقاذ ما تبقى منهم.
كأن حذف الاسم خيانة أخيرة لذاكرتهم.
وفي تلك الليلة، أدركت شيئًا مؤلمًا جدًا:
أن بعض البشر، بعد رحيلهم، يتحولون من أشخاصٍ نحادثهم… إلى وجعٍ نسكنه.
رحم الله الذين غادروا الحياة تاركين خلفهم فراغًا لا يملؤه أحد، وذكرياتٍ كلما حاولنا تجاوزها، أعادتنا إليها أبسط الأشياء…
كاسمٍ مضيء في هاتفٍ صامت!
كاتبة رأي



