كُتاب الرأي

✍️ تجّار العثرات .. ومرضى التشهير

✍️ تجّار العثرات .. ومرضى التشهير

بقلم/ د.عبدالاله محمد جدع

✔️ هناك من جعلوا من عثرات الناس مادة للكلام، ومن أخطائهم ـ أو ما يظنونه أخطاء ـ سلّماً للتعريض والغمز واللمز.. لا يتثبتون، ولا يمنحون الحقيقة فرصة الظهور، ويسارعون إلى الاتهام كأنهم أوصياء على نوايا الناس وألقابهم،ومثل هذا السلوك ليس شجاعة ولا غيرة ولا نصحاً، إنما هو بغي اجتماعي.. فالإنسان السوي لا يبني موقفه على الظن، ولا يجعل من الشائعة حكما، ولا من الحسد دليلا.. ومن اعتاد تتبع عورات الناس، يهرب غالبا من مواجهة عيوبه إلى الانشغال بعيوب غيره، متوهماً أنه يرتفع كلما أنقص من الآخرين.
✔️ ونفسياً، فإن التلذذ بتجريح الناس يكشف اضطراباً في الداخل قبل أن يكون خللاً في اللسان.. فالنفس الراضية لا تحتاج إلى النيل من أحد، والقلب السليم لا يفرح بانكسار الناس ولا بتشويه سمعتهم.. أما النفس الحاقدة فتبحث عن الزلل، وتفسر المواقف بسوء ظن، وتضخم الهفوات، وربما اخترعت التهم إن لم تجد ما يشفي غلّها.
ودينياً، ليس هذا من خلق المؤمنين.. فقد نهى الله عن السخرية واللمز وسوء الظن والغيبة. قال تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب}، وقال سبحانه: {ولا يغتب بعضكم بعضاً}. فالدين لا يمنع النصيحة، لكنه يهذبها، كما يأمر بالعدل والتحقق والستر والرحمة.
والفرق كبير بين النصيحة والتشهير.. فالنصيحة بابها الستر، وغايتها الإصلاح، وأسلوبها الرحمة أما التشهير فبابه الفضيحة، وغايته الإيذاء، وأسلوبه الكبر والشماتة.. ومن كان صادقاً في خوفه على الناس نصحهم بالحكمة، وتحقق قبل أن يتكلم، وراعى المقام والزمان والأسلوب.
✔️ واجتماعياً، يهدم هذا السلوك الثقة ويحوّل المجالس إلى ساحات اتهام، ويجعل العلاقات قائمة على الريبة لا الاحترام.. والمجتمع الراقي لا يحمي الخطأ، لكنه لا يبيح الفوضى الأخلاقية باسم النقد.. فحتى إن وُجد خطأ حقيقي، فهناك طرق للنصح، وآداب تحفظ للناس كرامتهم، فمن الأخلاق أن نعرف متى نتكلم، وكيف نتكلم، ولماذا نتكلم. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ظن حقيقة، وليس كل خطأ يستحق الفضيحة.
فالستر ليس ضعفاً، والتثبت ليس تردداً، وحسن الظن ليس سذاجة، والنصيحة ليست تجريحاً.. ومن أراد أن يكون نبيلاً، فليبدأ بكفّ لسانه عن الناس.

كاتب راي 

 

 

الدكتور / عبدالإله محمد جدع

أديب وشاعر وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.