ضجيج العصر الحديث

ضجيج العصر الحديث
العنود العنزي
في خضم هذا التسارع الهائل الذي يبتلع العالم يومًا بعد يوم، أصبحت التكنولوجيا ليست مجرد وسيلة نستخدمها، وإنما واقعًا يحيط بنا من كل الجهات، يفرض إيقاعه على أفكارنا ومشاعرنا وحتى على تفاصيل حياتنا الصغيرة.
أصبح الإنسان يعيش حالة من الانشغال الدائم، حتى وهو لا يفعل شيئًا، وكأن العقل لم يعد يعرف معنى السكون الحقيقي.
الأفكار تتقارب ثم تتباعد، والخطط تتغير، والأساليب تتبدل بسرعة تفوق قدرة البشر على الفهم أو الاستقرار، حتى صار العالم أشبه بفوضى مستمرة لا نرى لها بداية واضحة ولا نهاية محددة.
والحقيقة الوحيدة الثابتة وسط هذا الضجيج كله، أن النهاية الحتمية للإنسان هي انقطاع العمر، بينما تستمر هذه العجلة في الدوران بلا توقف.
ومنذ القرن العشرين، والعالم يدخل في دوامة من الاختراعات والتطورات التي كان يُفترض أن تمنح الإنسان الراحة، لكنها في أحيان كثيرة سلبته هدوءه الداخلي.
فكل ابتكار جديد يحمل معه تسارعًا جديدًا، وكل تقنية حديثة تخلق احتياجًا أكبر، حتى أصبح الإنسان يلهث خلف الزمن بدلًا من أن يعيش فيه.
وكأن كوكب الأرض لم يعد أرضًا للحياة الهادئة، وإنما تحول إلى عجلة ضخمة تدور بأفكار البشر وطموحاتهم واختراعاتهم، عجلة لا تتوقف أبدًا.
وفي داخل هذه الحركة المستمرة، تغيّر الإنسان نفسه؛ فأصبحت أجسادنا مرهقة، وعقولنا مستنزفة، وحتى أمراضنا باتت وليدة هذا العصر المتسارع، كأنها اختراعات جديدة خرجت من رحم الضغوط الحديثة.
لقد صار الإنسان أشبه بآلة تحاول مجاراة عالم صنعه بيديه، حتى فقد شيئًا من روحه الطبيعية، وتحول تدريجيًا إلى نسخة أخرى من هذا العصر المتحرك الذي لا يعرف السكون.
عصر يقيس قيمة الإنسان بمدى إنتاجه، لا بمدى سلامه الداخلي.
ومع كل هذا، يبقى السؤال قائمًا:
هل خُلقت التكنولوجيا لتخدم الإنسان، أم أن الإنسان أصبح يخدمها دون أن يشعر؟
وهل يمكن للعقل البشري أن يجد توازنه وسط هذه الفوضى المتسارعة، أم أن الهدوء الحقيقي أصبح شيئًا لا يتحقق إلا بالصمت الأخير… الموت؟



