كُتاب الرأي

«أعذبُ الشِّعرِ أكذبُه»

«أعذبُ الشِّعرِ أكذبُه»

بين الحقيقة والخيال في نقد ابن طباطبا

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

تُعَدُّ مقولة «أعذبُ الشعر أكذبُه» من أشهر المقولات التي ارتبطت بالتراث النقدي العربي، وكثيرًا ما أسيء فهمها حتى ظنَّ بعض الناس أنها دعوة إلى الكذب والخداع في الشعر. غير أن القراءة المتأنية لما أورده ابن طباطبا العلوي في كتابه «عيار الشعر» تكشف أن المقصود أعمق من ظاهر العبارة، وأنها تتصل بطبيعة الشعر بوصفه فنًّا يقوم على التخييل والمحاكاة والإبداع، لا على مجرد نقل الوقائع كما هي.

فالشاعر، في نظر ابن طباطبا، ليس مؤرخًا يدوّن الأحداث بحرفيتها، ولا شاهدًا يلتزم بإثبات الوقائع كما وقعت، وإنما هو فنان يعيد تشكيل الواقع في صورة أكثر إشراقًا وتأثيرًا. ومن هنا كانت المبالغة والتصوير والخيال أدواتٍ فنيةً تمنح القصيدة جمالها، وتُحدث في النفس الأثر الذي لا تحققه اللغة المباشرة.

والمقصود بـ«الكذب» في هذه المقولة ليس الكذب الأخلاقي المذموم، وإنما الابتعاد عن الحقيقة الحرفية من أجل بناء حقيقة فنية وجمالية. ولذلك قد يرفع الشاعر شجاعة بطل إلى مرتبة الأسطورة، أو يصوّر المحب كأنه يموت شوقًا، أو يصف جمال محبوبته بما يتجاوز حدود الواقع. وهذه الصور لا يُراد بها الإخبار، وإنما إثارة الدهشة وتحريك الوجدان.

ولهذا امتلأ الشعر العربي بصور بلاغية ومجازات لا يمكن أن تتحقق في الواقع، لكنها تبقى مقبولة أدبيًا لأنها تخدم المعنى وتزيد النص جمالًا. فالخيال هنا ليس نقيضًا للحقيقة، بل وسيلة لإبرازها في صورة أعمق وأشد تأثيرًا.

ومع ذلك، لم يكن ابن طباطبا يطلق العنان للمبالغة بلا ضابط، بل اشترط أن تكون منسجمة مع سياق القصيدة، ومقبولة في الذوق الأدبي، بعيدة عن التكلف والتناقض؛ لأن الإفراط في المبالغة يفسد الشعر بدل أن يزينه.

ومن ثم فإن مقولة «أعذب الشعر أكذبه» ليست تمجيدًا للكذب، وإنما احتفاءٌ بقدرة الشعر على الإبداع والتخييل وصناعة الصورة المؤثرة. فالشعر يبتكر حقيقةً جمالية قد تكون أبلغ أثرًا من الحقيقة الواقعية، لأن رسالته ليست نقل الأخبار، بل ملامسة الوجدان، وإيقاظ الخيال، وصياغة التجربة الإنسانية في أبهى صورها.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.