زكريا أحمد… آخر السلاطين الذين حكموا مملكة اللحن

«قد يفتقر الفنان إلى المال، لكنه لا يفتقر إلى الخلود إذا سكن فنه وجدان الناس.»
زكريا أحمد… آخر السلاطين الذين حكموا مملكة اللحن
بقلم: د. بكري بن معتوق عساس
قد يرحل الفنان تاركًا ثروةً مالية، وقد يرحل تاركًا ثروةً فنية تعيش في ذاكرة الشعوب. ومن هذا الصنف النادر كان الشيخ زكريا أحمد، الذي وهب حياته للموسيقى الأصيلة، فخلّدته ألحانه أكثر مما كان يمكن أن تخلّده الأموال.
وُلد الشيخ زكريا أحمد عام 1896 بالقاهرة، ونشأ في رحاب الأزهر الشريف، فحفظ القرآن الكريم وتشرب فنون التلاوة والإنشاد، وهو ما منح ألحانه روحًا شرقية أصيلة، وجعلها تمتاز بعمق التعبير وسلامة البناء الموسيقي.
اختار الفن رغم الصعوبات، وأصبح أحد أعمدة النهضة الموسيقية العربية، مقدّمًا أكثر من ألف لحن تنوعت بين الطقاطيق والأدوار والموشحات والأغنيات العاطفية والمسرح الغنائي، حتى غدا مدرسة فنية قائمة بذاتها.
ومن أشهر روائعه: «الورد جميل»، و«أنا في انتظارك»، و«الأولة في الغرام»، و«غني لي شوي شوي»، و«هو صحيح الهوى غلاب»، وهي أعمال تجاوزت حدود الزمن، وبقيت حاضرة في ذاكرة الطرب العربي.
وشكّلت شراكته مع أم كلثوم واحدة من أنجح الشراكات الفنية في تاريخ الموسيقى العربية، ورغم الخلاف الذي وقع بينهما حول الحقوق المادية، فإن الفن انتصر في النهاية، ليهديها رائعته الخالدة «هو صحيح الهوى غلاب».
وعُرف الشيخ زكريا أحمد بعزة النفس والاعتزاز بكرامته؛ فلم يكن يقبل أن يُعامل الفن بوصفه سلعة، بل رسالة سامية، لذلك ظل متمسكًا بمبادئه حتى آخر أيامه، ورحل عام 1961 دون ثروة توازي مكانته الفنية.
لم يكن الشيخ زكريا أحمد مجرد ملحنٍ كبير، بل كان حجرًا أساسًا في بناء المدرسة الموسيقية العربية الحديثة. فمن مدرسته استلهم كبار المبدعين الكثير من أسرار اللحن الشرقي الأصيل، فانعكس أثره في إبداعات رياض السنباطي الذي بلغ بالقصيدة العربية ذروة النضج، وفي تجديد محمد عبد الوهاب الذي مزج الأصالة بالحداثة، كما امتدت روحه الفنية إلى بليغ حمدي الذي منح الأغنية العربية نبضًا جديدًا دون أن يقطع صلته بجذورها. وهكذا ظل زكريا أحمد حلقةً ذهبية تربط بين جيل الرواد والأجيال اللاحقة، مؤكداً أن الفن العظيم لا ينتهي برحيل صاحبه، بل يبدأ عمره الحقيقي عندما يسكن وجدان الناس، وتردده الأجيال جيلاً بعد جيل.
كاتب رأي
