كُتاب الرأي

صناعة الداعية في عصر التحديات الإعلامية

صناعة الداعية في عصر التحديات الإعلامية

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

أصبح الخطاب الدعوي في عصرنا الحاضر بحاجة ماسّة إلى مزيد من العناية والتدقيق والتحقيق، فقد غدت الكلمة تصل إلى ملايين الناس في لحظات معدودة عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وأصبح الخطأ اليسير يتردد صداه في الآفاق، بينما تنتشر الفتوى المتعجلة انتشاراً واسعاً قد يوقع بعض الناس في اللبس أو الخطأ. ومن هنا تعاظمت مسؤولية الداعية، وأصبحت الحاجة إلى التأهيل العلمي والفكري والتربوي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لقد شهد هذا العصر تغيرات متسارعة وتداخلاً في المفاهيم والآراء، وتزاحمت على عقول الناس مؤثرات متعددة من منصات إعلامية وشبكات اجتماعية واتجاهات فكرية متباينة، الأمر الذي يفرض على الداعية أن يكون واسع الأفق، راسخ العلم، مدركاً لواقع زمانه، قادراً على مخاطبة مختلف الشرائح بلغة تجمع بين الحكمة والإقناع والرفق.

ومن هنا باتت «صناعة الداعية» مشروعاً علمياً وتربوياً متكاملاً، يحتاج إلى جهود العلماء والمفكرين والتربويين، وإلى برامج إعداد متخصصة تجمع بين التأصيل الشرعي، وفهم الواقع، ومهارات التواصل والحوار، واستخدام الوسائل الحديثة في نشر الخير والقيم. فالداعية الناجح لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح سفيراً للقيم الإسلامية، وممثلاً لصورة الإسلام السمحة في المجتمع والعالم.

كما أن من أهم التحديات التي تواجه الدعاة اليوم انتشار الأفكار المنحرفة والشبهات الفكرية، وهو ما يتطلب علماً راسخاً، وحجة قوية، وقدرة على الحوار الهادئ القائم على البرهان، بعيداً عن الغلو أو التعصب أو الانفعال. وقد أثبتت التجارب أن الكلمة الحكيمة والطرح المتزن أكثر أثراً وأبقى نتائج من أساليب المواجهة الحادة.

وقد قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وهي قاعدة عظيمة تؤكد أن نجاح الدعوة لا يقوم على صحة المضمون فحسب، بل على حسن الأسلوب أيضاً. كما قيل: «الناس أسرى الإحسان»، والداعية القدوة هو الذي يجمع بين العلم والعمل وحسن الخلق.

ولقد بذلت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، جهوداً كبيرة في إعداد الدعاة وتأهيلهم من خلال الجامعات والكليات الشرعية والمؤسسات العلمية المنتشرة في أنحاء الوطن، إيماناً برسالتها الإسلامية ومكانتها في خدمة الإسلام والمسلمين. وتُعد هذه الجهود امتداداً لدور المملكة التاريخي في نشر الوسطية والاعتدال وخدمة قضايا الأمة.

إن صناعة الداعية ليست عملاً مرحلياً، بل استثمار طويل الأمد في بناء الإنسان وحماية المجتمع وتعزيز قيمه، وهي مسؤولية تشترك فيها الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام. ومتى أحسنّا إعداد الداعية المؤهل علماً وفكراً وخلقاً، ضمنا بإذن الله استمرار رسالة الشهادة على الناس، وتحقيق الخير والإصلاح في المجتمعات.

كاتب رأي 

 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.