كُتاب الرأي

يوسف بن تاشفين

يوسف بن تاشفين

القائد الذي وحّد المغرب وأنقذ الأندلس أربعة قرون

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

في تاريخ الأمم رجال تتجاوز آثارهم حدود أعمارهم، لأنهم يغيّرون مجرى الأحداث ويتركون بصمةً تمتد عبر القرون. ويأتي الأمير يوسف بن تاشفين (نحو 1009–1106م) في مقدمة هؤلاء القادة؛ فقد جمع بين التقوى والحزم والحنكة العسكرية، واستطاع أن يوحّد المغرب الإسلامي ويقيم دولة المرابطين، ثم يعبر البحر لنصرة الأندلس في لحظة كانت على شفا السقوط.

نشأ يوسف بن تاشفين في قبيلة لمتونة الصنهاجية، وترعرع في بيئة عُرفت بالالتزام الديني وروح الجهاد. والتحق بالحركة المرابطية التي أسسها الإمام عبد الله بن ياسين، وهي حركة إصلاحية دينية وسياسية انطلقت من جنوب الصحراء الكبرى، ثم تحولت إلى دولة قوية امتدت من السنغال وموريتانيا حتى المغرب الأقصى.

وعندما تولى ابن عمه أبو بكر بن عمر اللمتوني قيادة الفتوحات في الجنوب، عهد بإدارة الدولة إلى يوسف بن تاشفين، فأثبت كفاءة استثنائية، ووسّع نفوذ المرابطين، فدخل فاس ووهران وتلمسان، ووصل سلطانه إلى أجزاء واسعة من المغرب الأوسط، كما أسس مدينة مراكش سنة 1062م، التي أصبحت عاصمة الدولة المرابطية وأحد أهم الحواضر الإسلامية.

وفي الجانب الآخر من البحر، كانت الأندلس تعيش مرحلة الانقسام بعد ظهور ملوك الطوائف، الذين أضعفتهم الخصومات الداخلية واضطر كثير منهم إلى دفع الجزية لألفونسو السادس ملك قشتالة. وجاء سقوط طليطلة سنة 1085م ليكشف حجم الخطر المحدق بالوجود الإسلامي.

عندها استنجد أمراء الطوائف بيوسف بن تاشفين، فلبّى النداء رغم تقدمه في السن، وعبر إلى الأندلس على رأس جيش كبير، ليلتقي بجيش ألفونسو السادس في معركة الزلاقة سنة 1086م، وهي من أعظم معارك التاريخ الإسلامي في الأندلس.

أظهر يوسف بن تاشفين براعة عسكرية كبيرة، فاعتمد خطة تقوم على إخفاء قوة احتياطية تُدفع في اللحظة الحاسمة، وهو تكتيك يذكّر بخطط خالد بن الوليد، فحقق المسلمون نصرًا ساحقًا، وأصيب ألفونسو السادس إصابة بالغة، وانكسرت هيبة قشتالة، وتوقف الزحف المسيحي سنوات طويلة.

ويرى كثير من المؤرخين أن انتصار الزلاقة أخّر سقوط الأندلس قرابة أربعة قرون؛ إذ لولا ذلك الانتصار لكان من المرجح أن ينهار الوجود الإسلامي في أواخر القرن الحادي عشر، بينما استمر حتى سقوط غرناطة سنة 1492م.

ولما عاد يوسف إلى المغرب، وجد أن بعض ملوك الطوائف عادوا إلى التنافس والاستعانة بملوك النصارى، فأفتى كبار علماء الأندلس والمغرب، ومنهم الإمام الغزالي، بجواز ضم الأندلس إلى دولة المرابطين حفاظًا على وحدة المسلمين، فأنهى حكم الطوائف ووحّد الأندلس تحت راية المرابطين.

توفي يوسف بن تاشفين سنة 1106م، وقد ناهز المئة من عمره، ودُفن في مراكش، ولا يزال قبره شاهدًا على سيرة قائد جمع بين الزهد والسياسة، وبين السيف وبناء الدولة.

لقد كان يوسف بن تاشفين أكثر من قائد عسكري؛ فقد كان رجل دولة أدرك أن الانقسام هو طريق الهزيمة، وأن وحدة الصف هي أساس البقاء. ولهذا بقي اسمه مقرونًا بمعركة الزلاقة، التي لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل نقطة تحول حفظت للأندلس وجودها الإسلامي قرونًا طويلة.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.