كُتاب الرأي

كل هذا اسمه وطن

كل هذا اسمه وطن

في الثالث والعشرين من سبتمبر سترتفع الأعلام، وتمتلئ الشوارع بالأخضر، وتعود الأغاني التي أصبحت جزءا من ذاكرة المناسبة. مشهد نعرفه جيدًا، إلا أن بعض الأعوام تجعلنا نراه بطريقة أخرى. يأتي اليوم الوطني السعودي السادس والتسعون هذا العام والمنطقة تعيش أياما قلقة؛ صراعات مفتوحة، وصواريخ ومسيّرات، وطرق تمر بها مصالح العالم لم تعد بعيدة عن الخطر. وفي أيام كهذه يصبح السؤال عن معنى الوطن أكثر جدية. لماذا تحتاج الأوطان إلى يوم تتذكر فيه نفسها؟ قد تكون البداية حكاية التأسيس وما صنعته السنوات بعدها، إلا أن للوطن معنى آخر لا يظهر بسهولة في الكتب ولا تلتقطه الأرقام. معنى نعيشه طويلا حتى يصبح عاديا، وربما كانت عاديته هي أكثر ما يخفي قيمته.
نخرج إلى أعمالنا، يذهب الأبناء إلى مدارسهم، تفتح الأسواق أبوابها، تعمل المستشفيات والمطارات، ثم نعود إلى بيوتنا ونحن نفترض ببساطة أن الغد سيأتي قريبا من صورة اليوم. هذا الافتراض الصغير يحتاج إلى دولة كاملة حتى يظل ممكنا.
الأمن من الأشياء التي يقل حضورها في وعينا كلما طال وجودها. لا يستيقظ الإنسان صباحا متأملا أن الطريق مفتوح، وأن المدرسة تستقبل أبناءه، وأن الطائرة ستقلع في موعدها، وأن الأشياء في أماكنها كما تركها بالأمس. الاعتياد يبتلع الدهشة، وما يستمر طويلا نكاد نظنه من قوانين الطبيعة. وحين يضطرب ما حولنا نكتشف فجأة أن كثيرا مما حسبناه طبيعيا كان يحتاج إلى من يحرسه.
عندها يصبح الميناء أكثر من مكان ترسو فيه السفن، والمطار أكثر من بوابة للسفر، وخطوط الطاقة أكثر من أرقام تمر في نشرات الاقتصاد. خلف اليوم الذي يبدو عاديا عمل طويل لا نراه، وربما كان نجاحه في أننا لا نضطر إلى رؤيته.
وهنا تكمن مفارقة الأمن: حين يؤدي مهمته جيدًا، ينساه الناس. يعود الإنسان إلى الزحام، ويتذمر من خدمة تأخرت، ويناقش سعرًا ارتفع، ويخطط لإجازته المقبلة. وربما كانت قدرته على الانشغال بهذه التفاصيل علامة على أن أشياء أكبر لم تصل إلى باب بيته.
ومن هنا يمكن قراءة ((عزنا بطبعنا)) بعيدا عن الشعار نفسه. العز قد يكون في أن يستيقظ الإنسان منشغلا بموعد عمله، وامتحان ابنه، وفاتورة تنتظره وخطة يؤجلها إلى الشهر المقبل. تبدو أشياء صغيرة، حتى ترى إنسانا في مكان آخر أصبح أكبر طموحه أن يمر يومه بسلام.
قبل ستة وتسعين عاما كان السؤال: كيف تجتمع هذه الأرض تحت دولة واحدة؟ واليوم أصبح السؤال مختلفا: كيف يبقى هذا اليوم العادي ممكنا وسط منطقة لا تكاد تنتهي من أزمة حتى تفتح أخرى أبوابها؟ تغيرت الأسئلة، وظلت قيمة الدولة تظهر كلما اضطرب ما حولها.
لهذا يبدو اليوم الوطني هذا العام مختلفا قليلا. الماضي يخبرنا كيف بدأت الحكاية، والحاضر يجعلنا ننتبه إلى أشياء لم نكن نعدها جزءا منها. وحين يرتفع العلم في الثالث والعشرين من سبتمبر، قد يكون أجمل ما نتذكره أن الوطن لا يسكن اللحظات الكبرى وحدها. أحيانا نجده في صباح عادي جدا؛ طريق مفتوح، ومدرسة تستقبل أبناءها، ومتجر يرفع بابه، وإنسان يغادر منزله وهو يفكر في يومه، لا في سلامته.
ذلك الصباح العادي، الذي لا يستحق خبرا عاجلا، قد يكون أحد أعظم إنجازات الوطن.
كل هذا اسمه وطن.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.