سنبقى ويرحلون

سنبقى ويرحلون
محمد الفريدي
كفى سذاجةً، وكفى قراءةً للأحداث وكأنها وقائع منفصلة لا يجمعها رابط، ولا يقف خلفها هدف. فما يحدث في اليمن، وما تحركه إيران في المنطقة، وما تفعله ميليشياتها في العراق، ليس فوضى ولا صراعات نشأت مصادفةً.
وما يجري في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز ليس منفصلًا عن ذلك، وإنما هو جزء من حرب استنزاف طويلة تستهدفنا، وتسعى إلى تطويقنا وإشغالنا وكسر قوتنا وإجبارنا على التراجع عن دورنا ومكانتنا.
مملكتنا هي الهدف، وكل محاولة للهروب من هذه الحقيقة ليست قراءة سياسية، وإنما غفلة لا تليق بدولة تواجه مشروعًا عدائيًا يتقدم نحوها من عدة جهات. فمن يعتقد أن الحوثي انقلب على اليمن من أجل حكم اليمن فقط، لم يفهم شيئًا.
ومن يظن أن ميليشيات العراق تحمل السلاح لحماية العراق يخدع نفسه؛ ومن يرى تهديد الملاحة الدولية مجرد تصرفات حوثية طائشة، يتجاهل مخططًا واضحًا يستخدم الدول المنهارة والميليشيات المأجورة والممرات البحرية للضغط على المملكة.
هذه القوى لا تريد حربًا مباشرة معنا، لأنها تعرف ثمنها، وإنما تريد استنزافنا في محيطنا. تشعل النار في اليمن، وتحرك السلاح في العراق، وتهدد الملاحة، وتضرب أمن الطاقة، ثم تتركنا نواجه النتائج.
تريدنا أن ننفق جهدنا ومالنا ووقتنا في إطفاء حرائق تصنعها، وأن ننشغل عن تنميتنا ورؤيتنا ومستقبلنا، وأن نتحول من دولة تقود المنطقة إلى دولة محاصرة بمشكلاتها.
هذا هو الهدف الحقيقي: كبحنا، وإبطاء تقدمنا، وضرب مشروعنا الوطني، ومنعنا من مواصلة تحولنا الاقتصادي والسياسي. ولهذا يحاولون محاصرتنا قبل أن نصبح أكثر قوة.
ويستهدفون مستقبلنا لأنهم فشلوا في هزيمة حاضرنا؛ فهم يدركون أننا إذا مضينا في طريقنا، وحققنا أهداف رؤيتنا، وعززنا قوتنا الاقتصادية والعسكرية والتقنية، فلن يكون بمقدورهم ابتزازنا أو التأثير في قراراتنا.
اليمن هو الجرح الذي أرادوه مفتوحًا في خاصرتنا. لم يتركوا اليمن لليمنيين، ولم يسمحوا له بأن يكون دولة مستقرة، وإنما حوّلوه إلى ساحة للقتل والفوضى وتصفية الحسابات.
جوّعوا شعبه، ونهبوا موارده، ودمّروا مؤسساته، ثم رفعوا شعارات المقاومة، وكأن قتل اليمنيين وتجنيد أطفالهم وإطلاق الصواريخ على جيرانهم بطولة تستحق التمجيد.
عبد الملك الحوثي ليس زعيمًا وطنيًا، ولا يحمل مشروعًا يمنيًا، وإنما هو رأس حربة في مشروع أكبر من حجمه، وأخطر من شعاراته. مهمته إبقاء اليمن رهينة، واستنزافنا، وتهديد حدودنا، وتحويل صنعاء إلى قاعدة متقدمة للمشروع الإيراني.
وكل يوم يبقى فيه مسيطرًا على العاصمة اليمنية يمثل نجاحًا لمن سلّحه ودرّبه وموّله، وفشلًا لكل من يصر على معاملته كطرف سياسي يمكن إصلاحه بالمفاوضات والوعود.
والمثير للغضب أن بعض القوى الدولية تعرف هذه الحقيقة، ثم تتظاهر بأنها لا تراها. تعرف من يسلّح الحوثي، ومن يموّله، ومن يمدّه بالتقنية والخبرة، ثم تطالبنا بضبط النفس، وكأن المعتدي والمعتدى عليه سواء.
وعندما نتعرض للخطر، تنهال علينا المحاضرات عن التهدئة، أما عندما تتعطل سفينة تجارية أو ترتفع أسعار الطاقة، تتحرك الأساطيل وتصدر البيانات العاجلة، لأن مصالحهم أصبحت مهددة.
أي نفاق دولي هذا؟ وكيف يصبح أمن البحار قضية عالمية عندما تتضرر تجارتهم، ثم يتحول أمننا إلى شأن قابل للنقاش والمساومة؟ إن أمننا ليس أقل قيمة من سفنهم.
وحدودنا ليست أقل أهمية من بضائعهم، ودماء أبنائنا ليست رقمًا في حسابات مصالحهم. ومن يريد الاستقرار الحقيقي فعليه أن يواجه مُشعل الفوضى، لا أن يضغط علينا ونحن ندافع عن أنفسنا.
وما جرى في حضرموت والمخا والساحل الغربي، وما يجري من صراعات بين القوى اليمنية، لا يمكن فصله عن هذا المشهد. فمن المستفيد من تفتيت الصف المناهض للحوثي؟
ومن المستفيد من توجيه البنادق بعيدًا عن صنعاء؟ ومن المستفيد من تحويل المناطق المحررة إلى ساحات صراع داخلي؟ الإجابة واضحة، حتى لو حاول البعض دفنها تحت الشعارات والخطب والاتهامات المتبادلة.
لقد تحول بعض الذين تلقوا دعمنا من أجل تحرير اليمن إلى عبء على معركة التحرير، وانشغل بعضهم بمصالحه ومناطقه ونفوذه، بينما بقي الحوثي في صنعاء يراقب خصومه وهم يتنازعون. فهل كانت صنعاء هدفهم أصلًا؟
أم كانت شعارات التحرير مجرد طريق للحصول على السلاح والمال والسلطة؟ هذا السؤال يجب ألا يبقى همسًا، لأننا دفعنا ثمنًا كبيرًا، ومن حقنا أن نعرف من وقف معنا بصدق، ومن استخدم دعمنا لخدمة أجندته الخاصة.
وفي العراق تتكرر المسرحية نفسها. ميليشيات تحمل أسماء مختلفة، وترفع شعارات كثيرة، لكنها تلتقي عند مرجعية واحدة وسلاح واحد ومشروع واحد. لم تُبنَ هذه الميليشيات لحماية العراق، وإنما للسيطرة عليه من الداخل.
وغايتها إضعاف جيشه، وسرقة قراره، وتحويله إلى ورقة تستخدمها إيران متى شاءت. العراق ولبنان واليمن شواهد حية على ما يفعله هذا المشروع عندما يهيمن على دولة: ينهبها، ويفقر شعبها، ويمزق مؤسساتها، ثم يدعي أنه يحميها.
لم تعد إيران بحاجة إلى احتلال دول الجوار بجيوشها، لأنها وجدت من يحتلها نيابة عنها. تصنع ميليشيا من أبناء البلد، وتمنحها المال والسلاح والشعار، ثم تدفعها إلى ابتلاع الدولة قطعة قطعة. وعندما يعترض الشعب، تتهمه بالخيانة والعمالة.
وعندما نقاومها، تصرخ بأننا نعتدي عليها. هذه غطرسة لا يزيدها صمتنا إلا تماديًا، ولا توقفها بيانات باردة، ولا تعالجها جلسات تفاوض تتحول إلى استراحة للميليشيات حتى تعيد ترتيب صفوفها.
ولا يحتاج المتآمرون علينا إلى الاجتماع في غرفة واحدة أو توقيع اتفاق مكتوب. تكفيهم وحدة الهدف وتقاطع المصالح. إيران تريد توسيع نفوذها، والميليشيات تريد المال والسلطة.
قوى دولية تريد الضغط علينا وابتزازنا، وأطراف إقليمية تحلم بمكانة لا تملك أدواتها. يجمعهم جميعًا أن قوتنا تعطل مشاريعهم، وأن انشغالنا يخدم مصالحهم.
لكنهم أخطأوا في فهمنا، كما أخطأ من سبقهم. دولتنا لم تُبنَ في يوم، ولم تقم على شعارات فارغة. لقد واجهنا أنظمة معادية، وحملات تحريض، ومحاولات تطويق.
ولم نصمد قرابة قرن لأننا كنا ضعفاء أو محظوظين. واجهنا مشاريع إسقاط، وبقينا واقفين بينما سقط أعداؤنا واحدًا بعد آخر. رحل من هَدَّدَنَا، وسقط من تآمر علينا، وتحولت أصوات كانت تتوعدنا إلى ذكريات مثيرة للشفقة.
ومع ذلك، لا يجوز أن نكتفي بالثقة ونترك ساحتنا للخصوم. يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها، ونفضح المتآمرين، ونحاسب المتخاذلين، ونراجع كل علاقة لا تحترم مصالحنا.
من يقف معنا نحفظ له موقفه، ومن يستفيد منا ثم يطعننا يجب أن يتحمل عواقب أفعاله، ومن يتعامل مع أمننا كورقة مساومة يجب أن يعرف أن زمن المجاملات انتهى.
المعركة ليست على حدودنا وحدها، وإنما داخل عقولنا أيضًا. هناك جيوش إلكترونية وحملات إعلامية وشائعات تستهدف ثقتنا بدولتنا، وتحاول زرع اليأس والشك والانقسام في داخلنا.
يريدون إقناعنا بأن وطننا معزول، وأن مشروعاتنا ستفشل، وأن قيادتنا لا ترى الأخطار والتهديدات. هذه الحرب القذرة يجب أن نواجهها بوعي وإعلام قوي وكلمة لا ترتجف أمام الأكاذيب.
لن نُكسر، ولن نتحول إلى دولة منكفئة على نفسها، ولن نتنازل عن مكانتنا لمن لا يملك تاريخًا مثل تاريخنا، ولا ثقلًا مثل ثقلنا، ولا قدرةً مثل قدرتنا.
وسنبقى بقيادتنا دولة قوية تقرر ولا يُقرر لها، وتقود ولا تُساق، وتحمي أرضها ومصالحها مهما تعددت المؤامرات.
إن كانوا يريدون استنزافنا، فعليهم أن يعلموا أن صبرنا ليس ضعفًا، وأن هدوءنا ليس خوفًا، وأن سياستنا المتزنة لا تعني أننا عاجزون عن الرد. فنحن نعرف خصومنا، ونعرف أدواتهم، ونعرف متى نتكلم ومتى نضرب.
سيواصلون التآمر، وسنواصل البناء. سيحاولون تطويقنا، وسنوسع حضورنا. وسيرحلون كما رحل من سبقهم، وسنبقى شامخين فوق مؤامراتهم، لأنهم جميعًا مشاريع زائلة، أما وطننا فلن ينكسر.
كاتب رأي



استاذنا الفاضل شخصت الحدث وتكلمت عما يدور في بالنا عن هذه الاحداث المؤلمة والتي يقصد بها تفتيت الامة العربية والإسلامية ان ماتقوم به ايران هو طعن للأمة
بواسطة عملائها الذين زرعتهم
خانوا اوطانهم وتلاعبوا بدينهم خدمة لأجندة خارجية
والمصيبة الأعظم هو السكوت عن هذه المليشيات من قبل المنظمات الدولية التي يفترض بها أنها تحارب مثل هؤلاء الإرهابيين المتمردين على اوطانهم