من الرياض إلى باب المندب معادلة الردع تتسع

من الرياض إلى باب المندب معادلة الردع تتسع |
رؤية تحليلية .
السبت الموافق ( 19 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( عندما يمتد التهديد من جبهة القتال إلى المدن والممرات البحرية ومصادر الطاقة، فإن الردع يصبح شبكة متكاملة من القوة والتحالف وحماية مراكز الثقل . )
دخل التصعيد المرتبط باليمن مرحلة أكثر حساسية، مع اتساع نطاق التحذيرات والإنذارات الجوية في عدد من مناطق المملكة بالتزامن مع استمرار الاعتداءات الحوثية. وحتى تتضح طبيعة التهديدات بصورة رسمية، فإن دلالتها العملياتية تكمن في اتساع نطاق الإنذار الجوي وتعدد اتجاهات التهديد.
وفي اليمن تتواصل المواجهات في تعز ولحج والجوف، بينما أصبح باب المندب أحد أهم مراكز الثقل في الصراع؛ فالمضيق ليس مجرد ممر بحري، بل عقدة تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب مستمر فيه يرفع كلفة النقل والتأمين ويضغط على سلاسل الإمداد والطاقة.
وهنا تبرز دلالة ما نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية؛ إذ رأى الكاتب مارك ألموند أن التهديد الحوثي للاقتصاد العالمي قد يصبح أشد أثرا من التهديد الإيراني في هرمز، بالنظر إلى حجم وتنوع التجارة المرتبطة بالبحر الأحمر، وإمكان استخدام الصواريخ والمسيّرات منخفضة الكلفة لتعطيل مسارات تجارية باهظة القيمة. وهو تقدير صحفي يعكس اتساع النظرة الدولية إلى خطر عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة.
وفي قلب هذا المشهد يبرز الموقف الباكستاني الأخوي بوصفه من أكثر المواقف وضوحا وقوة؛ فقد أكد المتحدث باسم الجيش الباكستاني أن بلاده تقف دبلوماسيا وعسكريا إلى جانب المملكة، وأنها مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى من أجل أمن المملكة والحرمين الشريفين. وهذه رسالة تتجاوز لغة التضامن السياسي المعتادة، وتعكس عمق العلاقة الاستراتيجية والأخوية بين البلدين، وما يمثله أمن المملكة ومقدسات المسلمين من مكانة خاصة لدى باكستان قيادة وشعبا. فالمواقف التي تصدر ساعة الخطر تزن أكثر من بيانات التضامن في أوقات الهدوء. كما أن صدور هذا الموقف في ذروة التصعيد يمنحه وزنا إضافيا في معادلة الردع.
ويتسع نطاق الردع مع انتقال التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات نحو دمج القدرات والاستعداد للتنفيذ العملياتي؛ إذ شهد اجتماع التخطيط الرابع في جدة مشاركة (154) من قادة القوات البحرية والمخططين والسفراء وممثلي الاتحاد الأوروبي يمثلون (41) دولة، إلى جانب (28) ضابط ارتباط. وفي الوقت نفسه رفعت مهمة أسبيدس الأوروبية مستوى التأهب، فيما دخلت الصين على خط الأزمة بطلبها من إيران استخدام نفوذها للمساعدة في كبح الحوثيين.
وتأتي موافقة وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة بيع محتملة للمملكة تشمل (48) مقاتلة F-35 بقيمة تقديرية تبلغ (24.3 مليار دولار) ضمن صورة أوسع عنوانها تعزيز الردع والتفوق الجوي والتشغيل البيني في مواجهة بيئة تهديد متغيرة.
ومع اقتراب اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، يكتسب المشهد معنى أعمق؛ فهذه البلاد التي صنعت وحدتها وحمت سيادتها وبنت نهضتها تمضي بثقة دولة تعرف قيمة أمنها ومكانتها ومسؤوليتها. والمملكة، بعون الله، قوية بقيادتها، منيعة بشعبها، عزيزة بقواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، وستظل دار أمن واستقرار وازدهار لمواطنيها والمقيمين على أرضها، وموئلا آمنا لضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين والزوار. وفي زمن التحديات يظهر معدن الأوطان؛ والمملكة قادرة بعون الله على حماية مكتسباتها، وصون أمنها، وترسيخ ردعها، ومواصلة مسيرة الازدهار والتنمية والبناء.
وهكذا يحل اليوم الوطني والمملكة لا تحتفل بذكرى توحيد وطن فحسب، بل تجدد معنى الوحدة نفسها: أمن يصان، وسيادة تحمى، وتنمية تمضي، وراية خفاقة بعون الله.
وعند جمع حلقات المشهد تبدو الصورة أكثر وضوحا: ميدان يمني مشتعل، وتهديدات جوية متصاعدة، وباب مندب تحت الضغط، واقتصاد عالمي يتأثر، وموقف باكستاني أخوي صلب، وقوى دولية تتحرك، وقدرات سعودية تتعزز.
وفي الاستراتيجية، لا تقاس قوة التحالفات بعدد الأسلحة وحدها؛ بل بثبات المواقف ساعة الخطر، وحين يدرك المعتدي أن أمن المملكة يحميه وطن قوي، وتسانده مواقف الأشقاء، وتتقاطع معه مصالح العالم، فإن الردع يبدأ قبل أن تبدأ المعركة .

