راديو غراف

أمن الدولة يبدأ من أقلياتها

 أمن الدولة يبدأ من أقلياتها

فيصل الكثيري 

كان الهوتو والتوتسي في رواندا يعيشون في مجتمع واحد، يتحدثون اللغة نفسها، ويتشاركون كثيرا من الثقافة والحياة الاجتماعية، وكانت الحدود بين الجماعتين أكثر مرونة مما أصبحت عليه لاحقا. ثم جاء الاستعمار، وأخذ اختلافا موجودا داخل المجتمع وحوّله بالتدريج إلى تصنيف أكثر صلابة. أصبح الإنسان يُعرّف وفق جماعته ودخل هذا التعريف إلى الإدارة والتعليم والعمل والمكانة الاجتماعية، حتى صار الاسم الذي كان يصف جزءا من هوية الإنسان قادرا على تحديد موقعه وفرصه. وهنا درس أكبر من رواندا نفسها. إذا أردت أن تعرف أين يمكن أن يدخل الخارج إلى دولة ما، فلا تنظر إلى حدودها فقط. انظر إلى الجماعات التي تعيش داخلها وتشعر أنها منفصلة عن بقية المجتمع. ابحث عن أقلية تشعر أنها وحدها، أو طائفة ترى أن مصيرها مختلف عن مصير الآخرين، أو منطقة تراكم لديها شعور قديم بالتهميش. هناك تصبح المهمة أسهل على من يريد العبث بالبلد.
الخارج لا يحتاج في كل مرة إلى اختراع المشكلة. أحيانا تكفيه مشكلة صغيرة لم تجد من يعالجها، فيكبرها. يأخذ مظلمة حقيقية ويضيف إليها خوفًا، ثم يأخذ الخوف ويصنع منه هوية، وبعدها يقدم نفسه حاميا لهذه الهوية. يقول للجماعة: أنتم مختلفون. ثم يقول: الآخرون لا يريدونكم. ثم يصل إلى الجملة الأخطر: نحن من سيحميكم منهم. هكذا يستطيع خلاف اجتماعي صغير أن يتحول مع السنوات إلى مشروع سياسي كامل. لهذا فإن اندماج الأقليات داخل المجتمع ليس قضية اجتماعية هامشية. إنه جزء من أمن الدولة نفسه. والاندماج لا يعني محو هوية أحد. يستطيع الإنسان أن يحتفظ بمذهبه أو قبيلته أو ثقافته أو لغته أو منطقته، ويظل في الوقت نفسه جزءًا أصيلا من وطنه. المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الصغيرة إلى جدار، ويصبح ما وراء الجدار عالمًا آخر.
الدولة الذكية لا تسأل فقط: هل لدينا أقليات؟ تسأل: كيف ترى هذه الأقليات نفسها داخل الدولة؟ هل تشعر أنها شريكة فيها؟ هل ترى أبناءها في مؤسساتها؟ هل تشعر أن القانون يحميها كما يحمي غيرها؟ هل تستطيع جهة خارجية أن تصل إليها غدا وتقول لها: وطنكم لا يريدكم، ونحن أقرب إليكم منه؟ هذه أسئلة أمن وطني، حتى لو بدت في ظاهرها أسئلة اجتماعية.
فالسلاح يأتي في مرحلة متأخرة. البداية قد تكون شعورا صغيرا بالعزلة، ثم خطابا يكرره الناس، ثم ذاكرة تنتقي المظالم، ثم جيلا يتعلم أن ينظر إلى جاره باعتباره من جماعة أخرى قبل أن يراه شريكا في الوطن. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح التدخل الخارجي أقل كلفة. يكفي أن يجد الطرف المناسب، ويمده بالمال أو الإعلام أو الحماية أو الاعتراف، ثم يترك الشق يتسع من الداخل.
لهذا تقع المسؤولية أولا على الدولة. العدالة، وتكافؤ الفرص، والمشاركة، والتمثيل، والشعور بالمواطنة ليست عبارات جميلة في الدساتير. هي الطريقة التي تغلق بها الدولة الأبواب التي قد يدخل منها الآخرون. وتقع مسؤولية كذلك على الأقليات والجماعات نفسها. الحفاظ على الخصوصية حق، أما تربية الأجيال على أنها منفصلة عن المجتمع الذي تعيش فيه فمغامرة قد يدفع ثمنها الجميع. فالهوية التي لا تجد مكانها داخل الوطن ستبحث يوما عمن يمنحها مكانًا خارجه.
التنوع لا يهدم الدول. الذي يهدمها أن يتحول التنوع إلى عزلة، والعزلة إلى خوف، والخوف إلى خصومة. وربما كانت هذه إحدى القواعد التي تستحق أن تُكتب أمام كل حكومة: إذا كان في بلدك أقلية، فلا تجعلها تشعر أنها ضيفة فيه. اجعلها ترى أن الوطن وطنها، وأن خسارته خسارتها، وأن من يحاول الدخول إليها من الخارج يجد أمامه مواطنا يعرف اختلافه جيدا، ويعرف في الوقت نفسه أين يقع بيته الأكبر.
فالدولة التي تدمج اختلافاتها تصعّب على الآخرين استخدامها. وأخطر شق في جدار الوطن هو جماعة استطاع أحد أن يقنعها بأن بقية الوطن ليس وطنها.

كاتب رأي 

فيصل مرعي الكثيري

أديب وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.