دكاكين الألقاب ومخابز الخواء

دكاكين الألقاب ومخابز الخواء
محمد الفريدي
منظرٌ بائسٌ مزعجٌ بات يتكرر في ردهات الصوالين الثقافية ومقاهي (الشريك الأدبي)، فالمتأمل وهو يدلف إليها يشعر أنه يتعثر في خطاه؛ فبينما يحدوه الأمل بلقاء عقول تصهر الحرف، وتعجن الفكر، وتشعل ثورة المجاز والفلسفة، يُصدم بكونه قد ضلّ طريقه ليجد نفسه داخل (مخبز انتهازي كبير)!
مخبزٌ رديء لا تُقاس فيه قيمة المرء بما تجود به قريحته من فكر، بل بوزن التَّنَك والمعادن الرخيصة التي يُعلّقها كأوسمة على صدره وما يحمله من دروع؛ فتشعر هناك بأن هيبة النص تسقط أمام طغيان الألقاب الجوفاء.
وصار المقياس الأوحد لـ (الأديب) هو طول قائمة اللجان ومجالس الأمناء التي يحشر أنفه وجسده وثقله فيها، لتتحول ساحتنا الثقافية من محراب للفكر إلى طابور طويل لتبادل أرغفة النفاق.
لقد تحولت الساحة الأدبية في كثير من جوانبها إلى سوق للمقايضة محورها (الخبز المتبادل)؛ تراه يدخل القاعة -ذاك الذي يُسمّى بالأديب- مُثقلا بالدروع والميداليات وشهادات التقدير التي جمعها من حفلات التكريم، حتى تكاد قامته تنحني من ثقل ما يحمله من معادن.
بيد أنك لو فتشت في حقيبته الإبداعية، أو بحثت في وجداننا، لعجزتَ عن العثور على جملة واحدة من كتاباته بقيت في الذاكرة بمجرد أن ينفضّ السامر وينتهي التصفيق الحار.
نحن هنا أمام طراز جديد من (الكُتّاب)؛ طراز يبرع في إتقان لغة (المصالح المشتركة) أكثر من براعته في صياغة الأدب والنقد والثقافة، فلا يعجنون أفكارا تستحق البقاء، ولا يؤرقهم البحث عن الحقيقة.
إنما يعجنون فيما بينهم (شبكة معقدة من العلاقات العامة) تضمن تدوير عجلة حضورهم الإعلامي والثقافي فحسب؛ ليظلوا ملء السمع والبصر وحدهم، في مشهد يفتقر إلى العمق ويحتفي ببريقهم المبهرج المصطنع.
هذا الطراز يمتلك (رادارات) حساسة للغاية؛ يعرف جيدا متى يصفق ولمن يصفق، فالإطراء عنده ليس رأيا نابعا من قناعة أدبيّة، إنما هو استثمارٌ طويل الأجل، فهو يتقن توزيع (أرغفة المديح)، ويدرك أن كل رغيف ثناء يلقيه اليوم في سلة أحدهم، سيعود إليه أرغفة مضاعفة غدا ومحمصة بالألقاب.
تلك الألقاب تأتي من الفرن نفسه الذي يخبز فيه الجميع مجاملاتهم الثقافية؛ لذلك، تتكاثر حولهم الألقاب والنعوت الفضفاضة كما تتكاثر الأرغفة الطازجة على طاولات المخابز في الصباح الباكر.
تراهم يُنادي بعضهم بعضا بـ (المفكر الكبير)، و(الأديب الاستثنائي)، و(القامة الثقافية السامقة)، و(الرمز الأدبي الفذ)، ولا يوجد فيهم من هذه الصفات شيءٌ أبدا.
وفي خضم هذه الهالة المصطنعة وهذا الضجيج المزعج، يقف (النص) في زاوية معتمة من القاعة والمقهى، منزويا، باهتا، يتساءل في دهشة وحسرة: (ما علاقتي أنا بكل هذا؟ وأين موقعي من الإعراب في هذا الضجيج؟).
إن الغرور الذي يتلبس هذا الصنف من أشباه الأدباء اليوم ليس غرور المبدع الحقيقي الواثق من منجزه الإبداعي، ذلك الغرور النابع من قلق المعرفة وعمق التجربة؛ إنما هو غرور تاجر، أو بالأحرى (غرور صاحب مخبز) واثق تمام الثقة من زبائنه، ومطمئن إلى قوائم التوزيع لديه.
هو يعلم في قرارة نفسه، وخلف قناعه البراق، أن معظم أوسمته ودروعه وشهاداته لم تمنحها له إبداعاته، ولم تنبع من سطور رواية أو ديوان شعر يهزّ الوجدان، إنما نالها بفضل حسن إدارته لعلاقات (مخبزه الثقافي).
فالقاعدة الذهبية في هذه الصوالين والمقاهي أصبحت: (كافئني أُكافئك)، و(اكتب عني أكتُب عنك)، و(قدّم لي درعا وشهادة أُقدّم لك درعين وشهادتين)، و(امدحني في لجنتك أضع اسمك في مجلس أمنائي)؛ في تحالف صريح لخبازين يكافئون بعضهم بعضا على مهارة صناعة الأرغفة، دون أدنى التفات إلى جودة الطحين، أو نظافة العجين، أو القيمة الغذائية للمنتج الثقافي ذاته!
وحين تصبح الألقاب سلعة متبادلة، يتحول الأدب والثقافة من رسالة تنويرية إلى مجرد بروتوكول اجتماعي فارغ من المضمون، لينتهي الأمر بالجميع حول مائدة احتفالية صاخبة، يلتهمون أوهامهم بمتعة، بينما يموت الإبداع الحقيقي جوعا بكرامة خلف أبواب موصدة.
لكن، وسط هذه الحفلات التنكرية الصاخبة، غابت عن هؤلاء حقيقة ثابتة: (إن التاريخ الأدبي شديد القسوة؛ لا يحابي أحدا، ولا يلتفت إلى علاقات التملق)، فالتاريخ ناقد صارم لا يقرأ بطاقات الدعوة الخاصة المرسلة إلى الجوالات، ولا ينظر إلى صور (السيلفي) في الصفوف الأولى، ولا يعترف بمجالس الأمناء.
وحين تقف التجربة الثقافية أمام غربال الزمن، لا يسأل التاريخ مطلقا: كم درعا تذكاريا حصلت عليه؟ وكم مرة جلست في المنصة الرئيسية متحدثا أو مكرما؟ وكم لقبا أكاديميا أو فخريا سبق اسمك في بنرات الندوات؟ إنما يتجاوز كل هذه المظاهر ليفكك زيف المشهد بالكامل؛ هناك يقف صامتا، ينظر في عينيك مباشرة، ويسأل سؤالا واحدا، حاسما، ومخيفا: (ماذا كتبت؟).
عند هذا السؤال تحديدا، تتهاوى الأقنعة كلها دفعة واحدة؛ لتسقط الدروع المزيفة، وتنكشف العورات الإبداعية، وتبرد الألقاب وتتصلب كأرغفة خبز رديئة فقدت حرارتها ومسوغ وجودها بعد خروجها من فرن المجاملات، فلا يتبقى عندها في ميزان القيمة الحقيقية سوى ما استطاعت الكلمات الصادقة، والمواقف الحقيقية، والوعي الأصيل، أن ينقذوه من غياهب النسيان.
فالألقاب ظاهرة صوتية يبتلعها الزمن كما يبتلع صدى المجاملات الفانية في القاعات الفارغة، وهي لا تصنع مبدعا ولا تحمي نصا من الفناء أبدا؛ أما النص الصادق، النابع من معاناة حقيقية، والمكتوب بدم القلب وعرق الفكر، فهو وحده ما ينجو من غربال الأيام ليبقى شاهدا على أصالة صاحبه.
إن كاتب المخبز وعلاقاته العامة يتغذى على التصفيق المؤقت والمجاملات المتبادلة، في حين لا يعنيه أرق الكتابة أو عمق الأثر، وليس له رصيد حقيقي سوى دروع وشهادات وصور في الصفوف الأولى؛ لا نصوص محفورة في ذاكرة القراء ووجدانهم، ولذلك تنتهي قيمته بمجرد غيابه عن المشهد أو موته.
وعلى النقيض تماما، يأتي المبدع الأصيل؛ ذلك الذي لا يبدأ خلوده الحقيقي، ولا يتجلى تأثيره الباقي والممتد في النفوس، إلا بعد رحيله الفعلي عن هذا العالم، ليولد من جديد في نصوصه، كأنما غيابه هو الحضور الأجمل والأبقى.
إن المبدع الحقيقي قد يعيش غريبا، وقد يجلس في الصفوف الخلفية، وقد لا يجد من يصفق له في محفل عام، لكن كلماته تسري في الناس سريان النار في الهشيم، وتتحول نصوصه إلى منارات يستضيء بها السائرون في عتمة الليل.
فالتاريخ يطوي صفحات من ملأ الدنيا ضجيجا بألقابه وخواء مجاملاته، ويخلّد حصرا ذلك الذي ازدحمت ذاكرة الناس ووجدانهم بكلماته وأفكاره الحية.
الأفران تبرد والفكرة تدوم؛ لذا يجب أن يدرك كل من ارتضى لنفسه أن يكون خبازا في سوق الأدب، أن كل الأفران لا بد أن تبرد، وأن حطب المجاملات سينتهي حتما ويتحول إلى رماد تذروه الرياح، فالزمن كفيل بإطفاء ذاك الضجيج المستعار، ولن يتبقى في وجدان الناس إلا تلك الجذوة المتقدة، والشرارة الأصيلة التي تشعلها الفكرة الحية في الأرواح.
فلتتكاثر الألقاب كما تشاء، ولتوزع الدروع لمن يشاء، فإن غربال الزمن متحرك لا يتوقف، ولن يصح في نهاية المطاف إلا الصحيح؛ سيموت الخبازون وتتلاشى أرغفتهم البائسة، ويبقى الأدب الحي، الحر، والصادق، شامخا في وجه الأيام، وعصيا على الموت لا يطاله النسيان.
إن هذا المشهد العبثي لا يتغذى على رداءة المنتج الأدبي فحسب، فهو يقوم على بنية تحتية كاملة من التواطؤ المشترك المتبادل الذي يُنتج تكتّلا ثقافيا مزيفا، لا يعود فيه النقد الأدبي أداة تشريح وتحليل وبحث عن الجمال، فقد تحول إلى وظيفة إضافية في المخبز.
والناقد في هذه الدائرة ليس حارسا لبوابة الإبداع، فهو مجرد مسوق مبيعات يكتب قراءات انطباعية مدفوعة الأجر بمجاملات مماثلة، يصف فيها الرواية الركيكة بأنها (فتق عظيم في جدار الرواية)، والقصيدة المكررة بأنها (انفجار مجازي غير مسبوق)، ويبيع الأكاذيب في أكياس أنيقة، ليضمن استمرار عمل المخبز، ورواج بضاعته الفاسدة.
هكذا يُحكم الحصار على القارئ، ويُدفع بالمبدع الجاد -الذي يرفض الدخول في لعبة المخابز والمقايضات- إلى حافة العزلة والإقصاء ليصبح الأديب الحقيقي غريبا في محراب الإبداع لأن لغته لا تتقن (أدبيات التسويق) وأصابعه لا تجيد مهارة مسح الأكتاف واستجداء المنصات، في عملية (إحلال وتبديل) يحل فيها اللامع والبراق والمؤقت محل العميق والأصيل والخالد.
والمفارقة الكبرى أن (كُتّاب المخابز) يعيشون حالة مستمرة من الرعب الخفي، فهم يعلمون في أعماقهم أن مجدهم مجدٌ ورقي، مبني على قصاصات الصحف، والتقاطات الكاميرات، وشهادات الشكر، لذلك تراهم شديدي الحساسية تجاه أي نقد حقيقي، يرتجفون من كلمة صدق واحدة قد تخرق بالونات انتفاخهم الثقافي.
وخوفا من هذا المصير، يحيطون أنفسهم بأسوار من الأتباع والمريدين الذين يقتاتون على فتات موائدهم، ليضمنوا استمرار الهتاف حول عرشهم المصنوع من قش الألقاب والمسميات.
لكن العزاءَ الوحيدَ لعشاق الحرف الحقيقي هو أن (ذاكرة الوطن) تمتلك حاسة تذوق فطرية وصارمة لا يمكن تضليلها بملصقات (الجودة العالية) التي تمنحها الصوالين والمقاهي واللجان والشريك الأدبي؛ فقد ينجح الخبازون في ملء بطون الحاضرين بأرغفة من الوهم والمجاملات، لكنهم لن يطعموا التاريخ أبدا؛ فهو لا يستضيف على مائدته إلا صناع الأثر ومن يعشق الخلود.
فسقوف الورق تتهاوى أمام أول عاصفة تهب عليها، ولا يبقى في الوادي إلا الشجر الأصيل والكلمة الصادقة التي نُحتت بدم الإبداع الحقيقي لا بفتات الخبازين والمسوقين.
وحين تنطفئ أضواء الصوالين والمقاهي والمخابز، ويغلق المخرج كاميراته، وينتهي الخبازون من صناعة أوهامهم، ويذهب كل مكرم بدرعه إلى بيته ليتراكم عليه الغبار؛ لن يجد أولئك حينها شبكة علاقات تنقذ نصوصهم الميتة من المقابر الجماعية للنسيان.
ما سيبقى فقط هو تلك النصوص التي كُتبت بعيدا عنها؛ تلك النصوص التي لم تتوسل لقبا ولم تستجدِ منصة، لأنها نبتت كأشجار برية أصيلة، تغوص جذورها في طين وجدان الوطن، وترتوي بماء الحقيقة.



