كُتاب الرأي

نطرد الأكفأ ونكافئ اللصوص

نطرد الأكفأ ونكافئ اللصوص

محمد الفريدي

تبدأ حكايتي مع شاب لا يسأل: كيف أنهض بوطني؟ ولا يسأل: كيف أبنيه؟ وإنما يسأل: كيف أخرج من هنا؟ كيف أسافر إلى الخارج للعمل هناك؟ كيف أغادر وطنا لم أجد فيه فرصة عادلة ولا مكانا يليق بطموحي؟

الغريب أنه كان يسمّي هذا الهروب (هجرة)، وأنا أسميها هروبا؛ فهو لم يفكر في بناء حياة داخل وطنه أو المشاركة في تطويره، وإنما كان يفكر فقط في (الخروج من غير رجعة)، ويجمّل ذلك بكلمات مثل: فرصة وتجربة وتطوير ومستقبل.

كنت أقول له: في السابق كان آباؤنا يهاجرون بحثا عن لقمة العيش إبّان المجاعة إلى دول الجوار، وكانت هجرتهم (محطة) لجمع الأموال أو التجارة فقط، ثم يعودون إلى أرض الوطن لبنائه.

أما اليوم فالأمر صار على ما يبدو تجارة مفتوحة لتبادل الألم؛ نُصدِّر إلى الخارج شبابا متعوبا عليهم، ونستورد من بعض الدول ركاما من الخردة، نُرسِّخ بها أركان الفساد.

في الخارج يستقبل أبناؤنا في شتى التخصصات بكل يسر وسهولة، بينما في الداخل لا تستقبل سيرهم الذاتية إلا بمزاج المتنفذ، وفي الخارج يُحتفى بهم جميعا، وفي الداخل لا نحتفي إلا بمن نعرف أو بمن لديه واسطة فقط.

ثم يأتي من يبرر ذلك لهم: (إن المشكلة اقتصادية، فقر وبطالة وأزمات)، يا سلام! هذا أجمل غطاء لطمس الحقيقة؛ الفقر موجود؟ نعم موجود، ولكن لماذا لا يهاجر المنتفعون، ولا يهرب من بلادنا إلا أبناؤنا المؤهلون؟

ولماذا تغيب الحلول عند الحاجة إليها، ثم يظهر فجأة انتهازي ويعلن نفسه (صاحب الحلول)؟

السبب ليس في (ضعف اقتصادنا)، وإنما في فسادنا؛ فنحن الذين رسّخنا في بلادنا أن تُدار الوظائف بالقرابة لا بالكفاءة منذ زمن بعيد، وأن تُقاس مشاريعنا بمقدار الرشوة التي نقدّمها لا بمقدار الجدوى.

وتبرمجنا على أن نعاقب المختلفين عنا ونفتح أبوابنا على مصراعيها لمن يصفّقون لنا، ولم نقتل حرية الرأي فيما مضى فقط، وإنما قتلنا أيضا الروح التي تجعل أبناءنا يعملون ويبدعون ويؤمنون أن لحياتهم معنى.

ولو كانت المشكلة مجرد فقر، لكانت فرصهم في النجاح متساوية، لكن الواقع يقول عكس ذلك: النجاح هنا ليس مكافأة للكفاءة، وإنما حصة لمن (يعرف من أين تُؤكل الكتف)، ولمن (يمرّر صفقاتنا بسهولة)، أما من يريد أن يتعب بضمير فيُدفع إلى الهروب إلى الخارج أو يُسحق حتى يتعلّم الانحناء.

لهذا نرى بعض الأطباء والمهندسين والباحثين من أبنائنا يهاجرون، ليس لأنهم أكثر طموحا من غيرهم، ولا لأنهم (يبحثون عن الرفاهية) كما يهوّن البعض هذا الأمر، وإنما لأنهم شعروا بغياب المساواة؛ فالمساواة ليست شعارا يُرفع عندهم، وإنما حاجة يومية ضرورية للمستقبل والكرامة.

فالطبيب في الداخل، مثلا، يرى أن مستواه العلمي لا يضمن له حقه، وأن التوظيف لا يُبنى على الكفاءة بقدر ما يُكافئ من لا يصل إلى مستواه في الجدارة.

وأن تقدمه الوظيفي لا يرتبط بسنوات خبرته، وإنما بالقرب من مراكز القرار؛ فقد تكون سنواته مهما علت في الطب مجرد رقم، بينما (المقرّب) هو الذي يملك طريقا إلى الباب الصحيح في كل شيء—حتى وإن كان بلا خبرة.

أما في الخارج فيُقدَّم كأنه (فرصة) لها قواعد تُحاسب على الأداء لا على العلاقات، وتُقيّم الكفؤ بما يستطيع فعله لا بما يستطيع ترويجه عن نفسه، وتُترجم فيها شهاداته وتخصصه إلى عمل محترم ومكانة واضحة، لذلك يختار الطبيب والمهندس والباحث الهجرة على البقاء؛ لأنهم وجدوا في الخارج نظاما لا يمنح الأفضلية لمن يملك الواسطة، وإنما لمن يملك الكفاءة في تخصصه.

وعندما يغادرنا هؤلاء لا يختفي عدد من أبنائنا فقط، وإنما يختفي معهم معيار كامل في مجتمعنا: معيار أن الكفاءة يمكن أن تصنع مستقبلا، وأن العلم طريق للكفاح لا تذكرة مرور تُمنح بالواسطة، وإذا اختفى هذا المعيار أصبح الداخل أسهل للمنتفعين، وسوقا بلا منافسة، وأنشطة سطحية، وقرارات تُدار بلا خبراء.

وهنا يأتي السؤال الذي يحرج المتنصلين من المسؤولية: لماذا ينجح بلد آخر في استثمار مهارات أبنائنا، بينما نعجز نحن في بلادنا عن توظيفهم؟ ولماذا تترك مؤسساتنا ناقصة، وجامعاتنا مترهلة، ومراكزنا البحثية منهكة؟

الجواب لا يحتاج إلى فلسفة؛ لأننا لا نحسن استثمار طاقاتهم كما ينبغي، فنُهدر كفاءاتهم ونُهمّش قدراتهم، ونحوّل بعض مواقعنا إلى ساحات للمصالح الشخصية أكثر من كونها مواقع لخدمة مجتمعنا، وعندما نُضْعِفُ الكفاءات ونُغَيِّبُ المساواة تتسع أبواب الواسطة والمحاباة وتصبح الفرص والخدمات أقرب إلى امتيازات منها إلى حقوق مستحقة.

ثم تتسع الكارثة وتتحول إلى شيء يومي في حياتنا: ندخل مستشفياتنا فلا نجد طبيبا سعوديا بارعا في تخصصه، وندخل جامعاتنا فلا نجد أستاذا يقدّر أبحاثنا، وندخل إداراتنا فنجد نقصا في الكفاءات وفائضًا في الفوضى.

حينئذ لا تتوقف خسارتنا عند رحيل أبنائنا فحسب، وإنما تمتد آثارها إلى جودة خدماتنا وكفاءة مؤسساتنا ومستقبل أجيالنا، فيدفع مجتمعنا بأكمله ثمنا أكبر من مجرد مغادرة أفراد بحثوا عن فرصة عادلة في بلادهم ولم يجدوها.

وفي الوقت نفسه، في الغرب—ليس لأن الغرب ملائكة—ولكن لأن الغرب يحترم تشريعاته وأنظمته ويقدّر المختصين ويستثمر في البشر—نجد طبيبا سعوديا يبدع عندهم في تخصصه بجدارة، ومهندسا يقود مشاريعهم بالمليارات، وباحثا يطوّر لهم أدوات تسهم في تقدمهم العلمي وخدمة الإنسانية وخدمتهم.

ثم نعود ونسمع من الداخل من يقول: (هؤلاء خسرناهم)، خسرناهم؟ لا، لم نخسرهم، نحن طردناهم، وهناك فرق بين خسارة شخص لأننا لا نستطيع المحافظة عليه، وبين أن نطرده لأننا لا نريد له مكانا بيننا.

حين تصبح بلادنا مرتعا للفاسدين والمنتفعين، لا يعود الوطن (بيتا لنا)، وإنما يصبح سوقا، والسوق لا يقف عند حد؛ فهو يأكل ما حوله: يأكل المال العام، ويأكل الخدمات، ويأكل الثقة، ويأكل حتى مستقبل شبابنا.

لهذا لا أقتنع بـ(الترقيع) الذي ينتهجه البعض، والتقويم على الورق بلا أثر، وإخضاع واقعنا لتكافؤ الفرص الملتوي، ثم نطلب بكل برود من شبابنا البقاء وكأن الألم لا يترك أثرا.

شبابنا لا يغادرون لأنهم أضعف، وإنما لأنهم أدركوا أن البقاء في بيئة تسودها المحاباة والواسطة نهايتها محكومة بالفشل، وهجرتهم نتيجة منطقية لغياب تكافؤ الفرص.

إذا أردنا الكلام الصحيح—من دون مجاملة—فإن هجرة شبابنا ليست سببا، وإنما نتيجة؛ نتيجة انعدام الحياد، ونتيجة تمكين الفاسد، ونتيجة تدمير الفرص، حتى يغدو الوطن بيئة طاردة للكفاءات بدل أن يكون حاضنة لها، فلا يستفيد مجتمعنا من طاقات أبنائه كما ينبغي، ولا يجد شبابنا ما يحقق طموحهم فيه.

وما دام هذا هو منطقنا السائد، فستزداد الهجرة، ليست هجرة أرقام فحسب، وإنما هجرة كوادر من مستشفيات تعاني خللا في الموارد، وجامعات تزداد ضعفا، ومراكز بحثية بلا فاعلية، وسوق عمل ضعيف الكفاءة والإنتاجية.

مستقبل شبابنا لن ينهار فجأة، وإنما سيختنق بتصرفاتنا تدريجيا، وكلما طال بقاء (الواسطة) و(المحسوبية) بيننا في السر كأنها أعراف غير مكتوبة، صار رحيلهم خيارا حتميا وفعلا غير أخلاقي تسببنا به.

وهجرة عقول أبنائنا إلى الخارج ليست مجرد قصص تُروى في مجالسنا، وإنما بداية تشكّل ظاهرة رصدتها الأبحاث من زاوية أكثر صراحة؛ فبرنامج الابتعاث نفسه خلق مسارا ينتهي في بعض الأحيان بمنع عودتهم أو بتحويله من برنامج وطني إلى حياة مغايرة.

إن قرار استقرارهم خارج الوطن لا يرتبط فقط بالجانب المادي، وإنما يتداخل مع عوامل أعمق، أبرزها مستوى الفرص المتاحة للبحث والتطوير في الخارج، ووضوح المسارات الوظيفية، ودرجة الاستفادة الفعلية من مؤهلاتهم العلمية المكتسبة.

وما يُعرف بـ(فجوة التوظيف) بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل من العوامل المؤثرة في عدم عودة مبتعثينا، ويدفع بعضهم إلى إعادة التفكير في الاستقرار النهائي خارج الوطن.

وفي هذا الإطار، تصبح هجرتهم أو استقرارهم في الخارج نتيجة لتراكمات متعددة، لا مجرد قرارات فردية مفاجئة، وإنما انعكاسا لتفاعل معقّد بين البيئة التعليمية وسوق العمل وسياسات استيعاب الكفاءات المهنية.

والأمر لا يتعلق فقط بشبابنا الذين يقررون (الهجرة من غير رجعة)، فالمشكلة الأعمق أن الخارج—عندما يوفّر لهم تعليما وتدريبا وفرصا تتناسب مع تخصصاتهم—يعيد تشكيل تصوراتهم.

لذلك يعودون وهم يتوقعون بيئة قريبة مما عاشوه هناك، لكنهم يصطدمون بواقع مختلف، مما يولّد لديهم خيبة لا تتناسب مع خبرتهم المكتسبة والفرص التي أُتيحت لهم في الخارج.

فضلا عن ذلك، تُعدّ بلادنا من الدول التي تمتلك نسبا ملحوظة من الطلاب المبتعثين إلى الخارج مقارنة بدول المنطقة، وهو ما وسّع دائرة احتكاكهم بالتجارب التعليمية المختلفة، وأسهم في ارتفاع سقف توقعات بعضهم، خاصة في ظل ما يواجهونه من تحديات تتعلق ببيئة العمل ومحدودية الفرص.

وهذا يعني أن هجرة عقول أبنائنا ليست حالات فردية، وإنما ظاهرة تتزايد مع توسع برامج الابتعاث وتوجه الطلاب للدراسة في الخارج، مما يجعل أثرها أكثر وضوحا في سوق الكفاءات.

وكثير من هذه العقول لا تختفي فورا، وإنما تصبح أقلّ ارتباطا بوطنها، أو تؤجل مشاركتها، أو تعود بخبرة لا تجد بيئة تحتضنها، وهو ما يكفي وحده ليشكّل فقدانا للعقول والكفاءات حتى قبل أن نصل إلى سيناريو (الغياب النهائي).

ومعالجة هجرة أبنائنا إلى الخارج لا تكون من وجهة نظري إلا عبر تطوير بيئة العمل، وتوسيع مجالات البحث والابتكار، بما يضمن استثمار كفاءات العائدين داخل وطنهم، ليصبح بقاءهم خيارا محفزا لا منفرا.

ونرسّخ مبدأ المساواة في الفرص، ونحدّ من المحسوبية، ونربط مخرجات تعليمنا باحتياجات سوق العمل الذي يُعدّ أساسا جوهريا لإعادة الثقة، ونحفّزهم على الاستقرار والمساهمة في بناء مستقبل الوطن.

وندعم توليد الأفكار الجديدة، ونمكّن الكفاءات الشابة من بلورة القرارات التي تخصهم، ونخلق بيئة محفّزة تحفظ طاقاتهم وتستثمرها بدلا من إهدارها أو خسارتها.

وبناء شراكات مجدية وذات أثر بين مؤسساتنا التعليمية وقطاعاتنا الإنتاجية يسهم في مواءمة التخصصات العلمية مع احتياجاتنا الفعلية، ويقلّل من هجرة أبنائنا على المدى البعيد، ويقطع الطريق على دوام ظاهرة طرد الأكفأ ومكافأة اللصوص التي عانينا منها زمنا طويلا، ولا نتمنى لهم أن يعانوا منها كما عانينا.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.