ثامر الميمان … صوت الفقراء

ثامر الميمان … صوت الفقراء
محمد الفريدي
في تاريخ صحافتنا السعودية الحديثة، برز اسم ثامر الميمان كواحد من الكتّاب الذين لم يكتفوا بصناعة المقال، وإنما سعوا إلى منحه بُعدا إنسانيا يتجاوز حدود الكتابة التقليدية، ليغدو النص عنده مساحة تعكس وجع الناس وآمالهم في آن واحد.
وُلد في محافظة الطائف عام 1951م، وعاش في حي شعبي متواضع، فتشكلت في هدوئها ملامح تجربته الأولى، وعايش مبكرا قسوة الحياة، وعمل في محطات الوقود وبيع الفاكهة على الطرقات وبيع (البليلة)، وهو ما ترك أثرا واضحا في كتاباته التي انحازت دائما للفقراء والطبقة المتوسطة، قبل أن ينتقل إلى فضاءات الصحافة والفكر والإدارة.
ثم انتقل إلى جدة بعد مسيرة امتدت لعقود، ترك خلالها أثرا لا يُقاس بعدد المقالات، وإنما بصدق النبرة وقربها من هموم الناس والمواطن البسيط.
درس في جامعة القاهرة، وحصل على البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم السياسية، وكانت نافذة لفهمه للعلاقات بين المواطن والدولة والمجتمع، وهو ما انعكس في مقالاته التي لم تكن تنفصل عن نبض الشارع.
وفي جامعة القاهرة انفتح على فضاءات فكرية أوسع، وانخرط في أنشطة طلابية مرتبطة بالقضايا العربية، ثم عاد إلى المملكة ليعمل في الخطوط السعودية، وتنقّل بين زوايا عدة في مسيرته المهنية حتى استقر على زاويته الأشهر (رزقي على الله).
لم يكن أسير تخصص أكاديمي ضيق، وإنما خرج منه إلى فضاء الصحافة، فوجد نفسه في مساحة تسمح له بأن يكتب عن الناس لا عن الأرقام والنظريات، وعن تفاصيلهم اليومية لا عن المفاهيم المجردة الباردة.
بدأ كاتبا في صحيفة (المدينة)، وتنقّل بعد ذلك بين المناصب حتى وصل إلى منصب مدير التحرير، وهو انتقال لم يكن إداريا فقط، وإنما كان انعكاسا لتراكم خبرته في صناعة المقال والخبر وتشكيل الرأي، ثم عمل بعد ذلك مديرا لشركة تهامة للإعلان والعلاقات العامة.
ثم عمل باحثا في مكتب سمو وزير الداخلية للدراسات والبحوث في جدة. ولم يكن هذا التنقل بين الإعلام والإدارة والبحوث تشتيتا له، وإنما كان صقلا تدريجيا متعدد الزوايا لشخصية تعرف كيف ترى المجتمع من أكثر من عدسة وزاوية.
لكن رغم هذه المناصب، لم يُعرف بمناصبه الإدارية بقدر ما اشتهر بصوته الصحفي، ذلك الصوت الذي استقر في زاويته (رزقي على الله)، والتي هي ليست مجرد عنوان لزاوية، وإنما موقف يعكس فلسفته في الحياة القائمة على التسليم المقرون بالعمل، لا على الاستسلام السلبي.
في هذا العمود تشكّلت ملامح كاتب يرى العالم بعين المواطن العادي، ويكتب بلغة قريبة من رجل الشارع، حتى قيل عنه إنه (صوت الفقراء).
ما يميز أسلوب الميمان أنه لم يكن يكتب من برجٍ عاجي، إنما من قلب التجربة اليومية، فقد كان يرى أن الكتابة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون فنا، وهو ما يتجلى في روحه التي تلخصها عبارته: (القلم مسؤولية … وليس ترفا للحديث فقط).
هذه الجملة لا تصف أدواته فقط، وإنما تلخص فلسفته في الكتابة، حيث تتحول الكلمة عنده إلى التزام، لا إلى زينة لغوية.
كان يميل رحمه الله في مقالاته إلى السخرية الهادئة التي لا تجرح بقدر ما تُشير، ولا تهدم بقدر ما تكشف، وكان يقول في أحد أبرز أقواله: (إما أن تكون صوت الوطن … أو تتضاءل خلف التصفيق واللامبالاة).
وهي عبارة تكشف وعيه بدور الكاتب بوصفه مشاركا لا متفرجا وحاضرا لا غائبا، وفاعلا لا مجرد ناقل، وكان يرى الوطن كيانا إنسانيا قبل أن يكون مساحة جغرافية، فيقول: (الوطن ليس خمسة حروف في أوراق وإعلانات … إنه الناس من تهامة حتى السراة).
لم يكن اهتمامه مُركّزًا على السياسة رغم أنه درسها، وإنما على تفاصيل حياتنا اليومية: الفقر، والبطالة، والبيروقراطية، وتناقضات واقعنا الاجتماعي، ومن هنا جاء نهجه الذي لا يتجه إلى الصدام بقدر ما يتجه إلى التصحيح.
ففي إحدى عباراته اللافتة يقول: (هناك خلل نحن جزء منه … ولو أخلص كل في موقعه لما تراكمت الشكاوى)، وهي رؤية تُحمّلنا المسؤولية ضمن منظومة المجتمع، دون أن تُغفل أثر النظام العام.
وفي مقالاته تتجلى علاقة المواطن بالوطن بوصفها علاقة لا تنفصل، حيث لا يرى بينهما فجوة يمكن تجاوزها أو تجاهلها. فالغربة عنده ليست غربة مكان، وإنما حالة شعورية، كما عبّر عنها بقوله: (الغربة ليست أن تغادر مكانك … وإنما أن تُنسى وأنت في ذاكرة من تحب).
وهي مقولة تحمل شحنة وجدانية عالية، تكشف حساسيته تجاه المواطن المنسي الذي لا يراه الضجيج الإعلامي، لكنه يظل حاضرا في عمق المجتمع.
أما في كتاباته الفكرية، فقد حاول أن يوازن بين الحرية والمسؤولية، كما في مقاله الشهير (نعم الحرية أولا)، حيث كان يرى الحرية قيمة أساسية، لكنها تحتاج إلى وعي اجتماعي يحميها من الفوضى.
وهذا التوازن يظهر في النبرة العامة لأسلوبه الكتابي، الذي لا يميل إلى التمرد المطلق ولا إلى التسليم المطلق، وإنما إلى منطقة وسطى تبحث عن الإنصاف والعدالة.
ترك لنا الميمان مؤلفات متعددة، منها (رزقي على الله) الذي جمع مقالاته، و(شخصيات من ذاكرة الوطن)، و(سواليف)، و(مسموحات ممنوعة)، إضافة إلى دواوين شعرية مثل (مجموعة أحزان) و(فيه شيء غلط).
هذا التنوع بين المقال والشعر يعكس شخصية متعددة الأدوات، لكنها موحدة الحس الإنساني، لأن المواطن وهمومه وتفاصيل حياته اليومية ظل الخيط الذي يجمع مختلف كتاباته ويمنحها هويتها الخاصة.
وبقي إرثه الصحفي شاهدا على زمن كانت فيه الكلمة قادرة على أن تلامس القلوب قبل أن تُقرأ، وأن تثير الأسئلة قبل أن تقدّم الإجابات، زمن كان يكتب فيه ثامر الميمان لا ليبهر القراء وإنما ليعبّر عن معاناة الناس، ولذلك بقي قريبا منهم حتى بعد رحيله رحمه الله.
ثامر الميمان لم يكن مجرد كاتب عمود صحفي، وإنما كان جزءا من التحول التدريجي في بنية الصحافة السعودية، حين بدأت المقالة تنتقل من الطابع الإخباري الصرف إلى مساحة أكثر إنسانية وحرية في التعبير.
فقد مثل جيله مرحلة انتقالية بين الصحافة التقليدية التي تعتمد على الصياغة الرسمية، وبين الصحافة الحديثة التي تميل إلى الشخصية الفردية للكاتب، وأصبح فيها الصوت الصحفي امتدادا لصاحبه لا للجهة التي ينتمي إليها.
في هذا السياق، كانت كتاباته تحمل ما أحب أن أسميه بـ(اقتصاد اللغة)، لأنه لم يكن يميل رحمه الله إلى الإطالة أو الزخرفة البلاغية، وإنما إلى الجملة المكثفة التي تُلمّح أكثر مما تُصرّح.
هذا الأسلوب جعل نصوصه قابلة للحفظ والتداول، لأنها تعتمد على الفكرة الواضحة لا على البناء المعقد، ومن هنا جاءت قدرته على الوصول إلى القارئ العادي دون أن يفقد احترام القارئ المثقف، وهي معادلة صعبة لا ينجح فيها كثير من الكتّاب.
كان يوازن بين الحس الاستشرافي الناقد والرغبة في عدم القطيعة مع الواقع، فهو لا يكتب من موقع الخصومة، وإنما من موقع المراقب القريب الذي يرى الخلل في المجتمع لكنه لا يتخلى عن التصحيح الممكن.
هذه الرؤية جعلت نبرته مختلفة عن بعض الأصوات الصحفية التي تميل إلى التصعيد أو التهكم الحاد، فهو كان يختار طريق (التَّنْبِيهِ الهادئ) بدل (التشهير والإِدانَةِ والتَّشَنُّجِ).
كما أن نصوصه تحمل بُعدا قصصيا واضحا حتى حين تكون مقالات رأي، فهو يوظف الحكاية الصغيرة والمشهد اليومي والتفصيلة السريعة في مقالاته ليشكّل منها رؤية شاملة.
وهذا ما منح كتاباته طابعا أدبيا أقرب إلى القصة القصيرة منه إلى المقال التقليدي، حيث يتداخل الواقع فيها مع التأمل، ويتحوّل الحدث البسيط إلى إدراكٍ أَشْمَل لواقعنا الإنساني.
ومن الجوانب المهمة التي لا تُنسى أنه كان يكتب وكأن القارئ شريكٌ له في النص، لا مُخاطَبٌ به، فمقاله لا يقوم على الإلقاء، وإنما على الحوار الضمني، وكأنه يفتح نافذة للتفكير المُشْتَرَك بدل أن يفرض عليه نتيجة جاهزة.
وهذا الأسلوب جعله قريبا من قاعدة جماهيرية متنوعة، لأنه لا يستفز القارئ بقدر ما يدعوه إلى المشاركة الذهنية.
وحضوره في الساحة الثقافية لم يكن محصورا في الصحافة فقط، وإنما امتد إلى محيط أوسع من الأثر العميق الذي لا يُقاس بضجيجنا الإعلامي الذي نراه اليوم.
فقد أسهم في ترسيخ فكرة أن الكاتب يمكن أن يكون شاهدا على عصره دون أن يتحول إلى طرف تصادمي، وأن النقد يمكن أن يكون بنّاء دون أن يفقد حدته الفكرية.
تجربة ثامر الميمان تُقرأ بوصفها نموذجا لمرحلة كاملة من تطور الكتابة الصحفية في السعودية، مرحلة كانت فيها الكلمة تحتفظ ببعدها، وكان الكاتب فيها يُنظر إليه باعتباره صوتا مؤثرا، لا كما هو الحال اليوم مجرد صانع محتوى).
فرحم الله ثامر الميمان وجيله من كتّاب تلك المرحلة الذين حملوا الكلمة بوعي ومسؤولية، في زمن كانت فيه الصحافة رسالة قبل أن تتحول اليوم كما نرى إلى حضور استعراضي، فقد كانت الكتابة عندهم ممارسة أخلاقية لا وسيلة للظهور ولا مساحة لـ (شوفوني يا جماعة أنا كاتب).
فقد ظل اسمه مرتبطا بقضايا الناس وهمومهم اليومية حتى أُصيب بجلطة دماغية قبل وفاته، ثم توفي رحمه الله، وأُعلن عن الصلاة عليه في المسجد الحرام بمكة المكرمة، ودُفن في مقبرة المعلاة، ولا زال صوته يتردد في أذني وهو يقول:
يُمَّه أنا ودي أقول للناس
عن الشيمة عن الحسرة عن الإحساس
عن العمر اللي ملاه اليأس
أنا ودي أحكيهم، أضحكهم، أبكيهم
عن الدمعة وليل الخوف
عن القصة حروف حروف.
رئيس التحرير



