باب المندب… الفخ الذي قد يبتلع الحوثي

باب المندب… الفخ الذي قد يبتلع الحوثي
ليس أخطر ما في تهديدات الحوثي بإغلاق باب المندب أمام السفن السعودية أنها مجرد تهديدات عسكرية، بل الأخطر أنها تكشف مرة أخرى عقلية تعتقد أن الجغرافيا يمكن اختطافها، وأن الممرات البحرية الدولية يمكن تحويلها إلى رهائن في يد جماعة مسلحة.
هذه ليست قوة.
وهذا ليس نفوذًا.
بل إعلان صريح بأن المشروع الحوثي لا يرى في البحر طريقًا للتجارة العالمية، وإنما ورقة ابتزاز سياسي.
إن باب المندب ليس بوابة خاصة بدولة، ولا ممراً يملكه فصيل، ولا معبراً يمكن أن يُفتح ويُغلق بقرار من جماعة مسلحة. إنه أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية، وتعتمد عليه سلاسل الإمداد والطاقة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. واستهدافه لا يمس السعودية وحدها، بل يصطدم مباشرة بمصالح دول كبرى واقتصادات عالمية.
ولذلك فإن من يتوهم أن تهديد السعودية عبر باب المندب سيحقق مكاسب استراتيجية، يخلط بين الضجيج الإعلامي والواقع الجيوسياسي.
الحوثيون، الذين يُنظر إليهم على نطاق واسع بوصفهم أقرب حلفاء إيران في المنطقة، يبدو أنهم لم يتعلموا حتى من التجربة الإيرانية نفسها. فحين جعلت طهران من مضيق هرمز أداة للتهديد والابتزاز، لم تحصد إلا مزيدًا من الضغوط والعزلة والتصعيد. واليوم يحاول الحوثي إعادة إنتاج المشهد ذاته في باب المندب، وكأن التاريخ لا يعلّم، وكأن الفشل يصبح نجاحًا بمجرد تكراره. ومن يسير خلف كفيله وهو يسقط، لا يسير نحو النصر، بل نحو المصير نفسه.
إن السعودية ليست دولة تعتمد على خيار واحد، ولا اقتصادًا رهينة لممر واحد. لقد استثمرت خلال السنوات الماضية في تنويع منافذها اللوجستية، وتطوير موانئها على الخليج والبحر الأحمر، ومد شبكات نقل وأنابيب تقلل من أثر أي تهديد محتمل. أما الحوثي، فلا يملك اقتصادًا بحريًا، ولا تجارة عالمية، ولا اعترافًا دوليًا يمنحه القدرة على إدارة أزمة من هذا النوع.
والتاريخ يعلمنا أن إغلاق الممرات البحرية لا ينتهي بانتصار من يغلقها، بل غالبًا ما ينتهي بتحالفات دولية واسعة تعيد فتحها بالقوة إذا لزم الأمر، لأن التجارة العالمية لا تسمح بأن تتحول إلى رهينة في يد جماعة مسلحة.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل يستطيع الحوثي إطلاق تهديد؟
بل: هل يستطيع تحمل نتائج تنفيذه؟
إن أي اعتداء على حرية الملاحة في باب المندب لن يُنظر إليه بوصفه خلافًا مع السعودية، بل باعتباره تهديدًا مباشرًا للنظام التجاري العالمي، وهو ما يغيّر طبيعة المواجهة وحدودها وأطرافها. فالممرات البحرية الدولية ليست ساحة لتصفية الحسابات، وإنما شرايين للاقتصاد العالمي، وأي محاولة لابتزاز العالم عبرها لا تضع صاحبها في مواجهة دولة واحدة، بل في مواجهة منظومة دولية كاملة.
أما السعودية، فقد أثبتت خلال السنوات الماضية أنها تتعامل مع التحديات بمنطق الدولة، لا بمنطق الانفعال. فهي تبني اقتصادًا متنوعًا، وتعزز قدراتها العسكرية، وتوسع شراكاتها الدولية، وتستثمر في الاستقرار الإقليمي، لأن الدول الكبرى تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها ومصالح شركائها.
إن من يهدد بإغلاق باب المندب يظن أنه يحاصر السعودية، بينما الحقيقة أنه يحاصر نفسه، ويضع مشروعه في مواجهة المجتمع الدولي بأسره.
فالفرق بين الدولة والجماعة، أن الدولة تبني طرق التجارة، بينما الجماعة تهدد بإغلاقها.
والفرق بين مشروع التنمية ومشروع الفوضى، أن الأول يصنع المستقبل، بينما الثاني يعيش على صناعة الأزمات.
ولهذا، فإن باب المندب لن يكون اختبارًا لقدرة السعودية على حماية مصالحها فحسب، بل سيكون اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على الدفاع عن مبدأ لا يمكن التهاون فيه: أن الممرات البحرية الدولية ليست ملكًا لأحد، ولا يمكن أن تتحول إلى أدوات ابتزاز سياسي أو عسكري.
وليعلم الحوثي أن من يكرر أخطاء غيره، لا يكتب تاريخًا جديدًا، بل يعيد كتابة نهايته بالمداد نفسه.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
21 يوليو 2026
