كُتاب الرأي

ومات أبو غسان

ومات أبو غسان 

د. يوسف حسن العارف

(1) … وبعد ليلة أسرية عاصفة (مساء الخميس ليلة الجمعة 2-3/2/1448هـ)ة لم تنم عيني وشُلَّ تفكيري.. وضاعت البوصلة.. كنت أتقلب على (جمر الفَضَى… وـاتقلب!!) حتى سمعت الأذان فاستعنت بالله ويا نعم المعين…

وفي المسجد فاجأني الزميل جمال حفني/ مؤذن المسجد بالخبر الأليم… وفاة الجار الأستاذ عبداللطيف العلاوي/ أبو غسان لم أتمالك نفسي من الصدمة فمنذ البارحة ليلة الخميس 2/2/1448هـ – ونحن عائدون من مكة المكرمة والحرم المكي مع جاريَّ أبو معاذ/ مصطفى عبدالفتاح وأبو عبدالإله/ سالم باكلكا كنا نتذكر الجيران الذين توفاهم الله، العم حامد الشريف (يرحمه الله) والعم سند آل فرهود (يرحمه الله).. وغيرهم.. ثم وصلنا إلى ذكر الجار عبداللطيف العلاوي الذي يرقد في مرضه الأخير ودعوناله بالتشافي من الأسقام وحسن الختام!!

وما هي إلا سويعات وكأننا على موعد مع القدر الرباني فما جاءت صلاة الفجر إلا وخبر الوفاة قد انتشر برسالة من أولاده إلى مجتمع الحي، ومجتمع مسجد النقاء: أن الجار العزيز أبو غسان/ عبداللطيف العلاوي قد انتقل إلى رحمة الله!!

ولم أتمالك نفسي وأنا أسمع الخبر فرحت فيما يشبه الغيبوبة ألماً وحسرة وتذكراً وقشعريرة، وبين مصدقٍ ومتوجس كنت أحوقل وأسترجع وأبكي حزناً على الفراق الأبدي.. فقد كان ملء الذاكرة في مسجدنا/ مسجد النقاء صلاةً واجتماعاً وتحاوراً، كان من أهل الصف الأول.. وكان حريصاً على المشي إلى المسجد في كل الأوقات طلباً للمغفرة والرحمة بكثرة الخطوات والذكر والتسبيح والدعوات.

*   *   *

(2) عرفت الأخ عبداللطيف منذ العام 1396/1397هـ عندما عُيِّنت معلماً في مدرسة الحديبية المتوسطة بجدة، وكان مراقباُ أو إدارياً في مدرسة حراء المتوسطة، هناك جمعتنا حرفة التعليم وبدأت الصداقة ثم تقطعت بيننا السبل/ تغيرت الأماكن وتباينت الأزمنة حتى التقينامرة أخرى بعد عمر طويل/ تقريباً في العام 1418هـ أو 1420هـ عندما سكنت في منزلي الجديد بحي النعيم والصلاة في مسجد النقاء!! هناك وجدت عبداللطيف فإذا به يسكن بجواري في نفس القطعة والمربع فهو على شارع خلفي وأنا على الشارع الرئيسي لكن الطريق إلى المسجد يجمعنا وتدور الأحاديث والذكريات!!

كان مدير مدرستي/ الحديبية الأستاذ سعيد العبيدي (يرحمه الله) ومدير مدرسته/ حراء الأستاذ صالح العبيسيشافاه الله.. وذات يوم تذكرنا هذه الذكريات فقررنازيارة الشيخ العبيسي في داره بحي السلامة.. وفعلاً صلينا المغرب في المسجد الذي يصلي فيه وسلمنا عليه واستضافنا في داره القريبة.. وكان لقاءً تعليمياً وتربوياً وذكريات أعادتنا للزمن القديم والجميل!!

*   *   *

(3) وطوال فترة الجيرة المباركة، كان الأخ عبداللطيف اجتماعياً  يزار في بيته فنجد الكرم والضيافة وحسن الأخلاق. وكان يزور معنا جيران الحي في زياراتنا التفقدية والإخوانية بين المغرب والعشاء كل يوم ثلاثاء وكان يجتمع معنا في مجلس المسجد ويدلي بدلوه رأياً حصيفاً ومقنعاً، ويجتمع معنا في مجلس الحي بهدوئه المعروف وابتسامته الراضية.. حتى قطعه المرض عنا وغيَّبه عن المسجد بعد أن زادت عليه الأمراض وخاصة الزهايمر.. خلال النصف الثاني من العام المنصرم 1447هـ.

وكان (يرحمه الله) قريباً إلى قلبي بحكم إنسانيته وطيبته وتدينه، وكلما زرت (العُلا) تذكرته وذكَّرتُ به الزملاء العلاويين في تلك البلاد التي أنعم الله عليها بأهلٍ كرامٍ أهل طيبة وإنسانية كتبت عنهم كتاباً سيصدر قريباً إن شاء الله بعنوان (رحلاتي إلى أرض العلا/ عروس الجبال ومهد الحضارات مشاهد وانطباعات). وكلما ذكرت أبو غسان/ عبداللطيف العلاوي ذكروه بالخير وأثنوا على طيبته وأخلاقه… والناس شهود الله في أرضه.

قبل فترة طويلة توفي أخوه موسى العلاوي وكان جاراً لنا.. ورفيقاً في الحي والمسجد (يرحمه الله).. توفي في المدينة المنورة ودفن في البقيع.. وكلما جاءت سيرته في المسجد ذُكِر بالخير.. وبالأعمال الخيرية الكثيرة التي كان يقوم بها سراً ابتغاء ما عند الله، وكان لوفاته قصة تُذْكَر ومنها نأخذ العِبَر.. توفى أخاهم الأكبر في المدينة المنورة، فذهب الأخوان موسى وعبداللطيف للمشاركة في الدفن والصلاة على الجنازة.. وكان موسى صحيحاً معافى لا يشتكي من مرض و اعتلال صحة.. ولكنه في المقبرة/ مقبرة البقيع فوجئ بدوار وصداع وحُمِلَ إلى البيت وفي مراسم العزاء سقط ميتاً فدفن بجوار أخيه في البقيع!!. هنا تذكرنا محبة الله ولطفه واختياره لهذا الإنسان أن يموت في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم/ المدينة المنورة، ويدفن في مقابر البقيع التي تضم أصحاب رسول الله والرعيل الأول من المجاهدين المسلمين.

كان الأخ عبداللطيف كثير التأثر كلما جاءت هذه السيرة يرحم الله الأخوين ويسكنهما فسيح الجنان.

*   *   *

(4) رحم الله أخانا عبداللطيف وأسكنه فسيح الجنات، ويوم الجمعة 3/2/1448هـ عصراً كانت الصلاة عليه بجامع الثنيان بجدة،وذهبت مبكراً لألحق الجنازة قبل الصلاة فوجدت الأبناءغسان ومحمد وأحد الأحفاد فسلمت عليهم وطلبت السلام على الميت قبل إغلاق أبواب الجنائز فسمحوا لي رأيت وجهاً لطيفاً يبشر بالخير بكيت وبكيت وكأنه أحد أهلي فالموت حق وكلنا له سائرون ودعوت له بالرحمة والمغفرة والفردوس الأعلى.. واتجهت للأبناء وصبَّرتهم وقلت لهم أكثروا من الاسترجاع والحوقلة والدعاء والصبر وكانوا ما شاء الله متماسكين غير جزعين بكاؤهم صمتاً، ولسانهم ذكراً ودعاءً.. وقلت في نفسي: ما مات من خَلَّف إني أرى في محمد وغسان ابنيَّ سلطان وريان فدعوت لهما بالثبات والصبر وحسن العزاء.

وبعد الصلاة في الثنيان شاركت في الدفن بمقبرة الصالحية حيث وجدت الجيران وأهله وجماعته وكثير من المعارف وكلهم شهود الله على نزاهة هذا الإنسان نحسبه كذلك والله أرحم الراحمين.

وبجوار مسجد النقاء، كان العزاء المبارك بحضور ومشاركة خلق كثير توافدوا للعزاء من الرياض والمدينة ومكة والعلا وكلهم يتضرعون بالدعاء والرحمة والمغفرة لفقيدنا.. فقيد حي النعيم ومسجد النقاء.

وهنا في مكان العزاء وفي المسجد قابلت الابن (محمد) وقلت له.. هنا كان أبوك يصلي.. وهنا كان يقرأ القرآن.. وهنا كنا نجتمع ونتذاكر.. وأوصيته أن لا ينقطع عن المسجد.. ويملأ مكان والده (يرحمه الله) كلما سنحت له الفرصة.. رحم الله أبا غسان ومحمد..

وإنا لله وإنا إليه راجعون!!

*   *   *

(5) ولمعرفتي بأحد محبيه من مدينة العلا، وهو الأستاذ إبراهيم بن عبدالله القاضي المدير السابق لتعليم العلا، أرسلت له خبر الوفاة فرد عليَّ قائلاً: إنا لله وإنا إليه راجعون.

لله ما أعطى ولله ما أخذ وكل شيء عنده بأجل مسمى. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهمنا وأهله وذويه الصبر والسلوان. عظَّم الله أجركم وأحسن عزاءكم في وقاة جاركم وأخينا أبو غسان، وتعازينا لأسرته وأولاده ومحبيه (إنا لله وإنا إليه راجعون). وكان بودي لو كنت في السعودية لأقوم بواجب العزاء، ولكني حالياً في أمريكا لزيارة الأبناء والحمد لله على كل حال.

الجمعة 17 يوليو 2029

وأخيراُ لجماعتنا في مسجد النقاء، ولجيران الفقيد نقول للجميع أحسن الله عزاءنا وجعل فقيدنا من أهل الفردوس الأعلى وأنزل على ذويه وجماعته وأولاده الصبر والسلوان ولا أراهم مكروها.. وإليهم هذه العزائية الشعرية:

الموت حق علينا قد عرفناه        في كل حين ينادينا فنلقاه

يختار منا كرام الناس منزلة        وما جزعنا لأن الراحم الله

رحم الله أخانا عبداللطي وأسكنه فسيح الجنان.

والحمد لله رب العالمين.

كاتب رأي 

 

من الجمعة مساء 3/2/1448هـ

إلى الأحد مساء 5/2/1448هـ

الدكتور/ يوسف حسن العارف

أديب سعودي وكاتب رأي وشاعر

‫4 تعليقات

  1. جزاك الله خيرا استاذنا الغالي استاذ الوفاء والأديب الكبير د. يوسف على هذه اللفتة الجميلة وتلك المشاعر الصادقة تجاه الفقيد الحبيب ابوغسان الذي تربطنا فيه علاقات قرابة وصداقة متينة مع اخوانه وخاصة الفقيد أخوه حسن رحمه الله والذي كان نعم الاخ المقرب والصديق الوفي والزميل العزيز وبقية إخوانه محمد رحمه الله وموسى رحمه الله وقبل ذلك طالب رحمه الله وامد الله في عمر أخيه عبدالله ورحم والدته العمه لطيفة بنت محمد القاضي ووالده العم احمد رحمهم الله جميعا وجمعنا بهم ووالدينا ووالديكم وجميع المسلمين في جنات عدن إنه ولي ذلك والقادر عليه …والحمد لله على قضائه وقدره .
    أخوكم ومحبكم / إبراهيم عبدالله القاضي – ابوفيصل .

  2. عم عبد اللطيف ليس فقط ابو صاحبنا غسان بل كان استاذاً وأبا للجميع لايريد منا إلا الصلاح فوالله موته فجعه لنا ومعروف عم عبد اللطيف بالكرم والجود ماانسى فطور رمضان كيف رحب ب اصحاب ولده غسان الله يرحمه ويجعل مثواه الجنه ونعيمها
    اللهم نقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وجعل قبره روضه من رياض الجنه

  3. الله يجزاك خير الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته والوالد والله ماكان يذكرك الا بكل خير ويغليك الله يمدك بالصحة والعافيه جزيت خيراً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.